English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

قبل أن يتحوّل اليمن أفغانستان أخرى؟!
القسم : شؤون عربية

| |
النهار 2009-10-17 09:20:22


بقلم سليم نصار:   .
في تحقيق صحافي موسع أعربت مجلة "تايم" الاميركية، عن تخوفها من تحول اليمن أفغانستان أخرى في حال ثبتت "القاعدة" هيمنتها على الوضع الأمني.
وحذرت المجلة الدول المعنية من تجاهل الامر الواقع لأن الحوثيين والعشائر والانفصاليين وزعماء التمرد في الجنوب، يسيطرون على ما نسبته ثلثي مساحة البلاد.
ومع ان الرئيس علي عبدالله صالح قد أنكر هذه المزاعم، إلا أنه أعلن أمام أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، بأن الجيش يخوض معركة الحسم مع قوى خارجية يهمها زعزعة الوحدة وتدمير النظام القائم.
وقال موسى ان موقف الجامعة ينطلق من الحرص على وحدة اليمن وأمنه واستقراره، خصوصاً في ظل الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة. وأيده الرئيس صالح في هذا الطرح، ولكنه اشترط عدم التنازل عن الثوابت الملحوظة في اتفاقية الدوحة والبنود الستة لاتفاق المصالحة الوطنية. كما شدد ايضاً على ضرورة إلقاء سلاح المعارضة كمدخل لأي اتفاق مطلوب. وقال لموسى ان الدولة تتصرف من موقع الدفاع عن النفس، وأنها لجأت الى كل الوسائل السلمية قبل مواجهة تحديات المخربين.
وفي رأي الوسطاء انه من الصعب جداً تنفيذ الشرط المتعلق بجمع السلاح، لأن هناك أكثر من ستين مليون قطعة سلاح في أيدي الشعب. ومثل هذه التجارة غير محظورة قانونياً بحيث يتاح لكل مواطن شراء "كلاشينكوف" يراها معروضة فوق عربات بيع البطيخ و"القات". وقد فشل قادة ثورة 1962 في الغاء حمل السلاح، علماً بأنهم نجحوا في الغاء حكم الامامة الزيدية التي تأسست عام 898. والسبب أن تدخل مصر العسكري الذي اعتبرته الدول الغربية تهديداً مباشراً لمصالحها، قوبل بمناهضة اقليمية ودولية غذت القبائل بالمال والسلاح. ومع استمرار العنف والعنف المضاد، ظلت مسألة إقتناء السلاح جزءاً من عادات قبائل اليمن وتقاليدها.
وتتوزع القبائل الاساسية التي يتألف منها شعب اليمن (23 مليون نسمة) على خمسة أنساب هي: حاشد وبكيل وحِميْر وكِنده ومِذحج. ومن أهم شخصيات قبيلة حاشد يبرز اسم الرئيس علي عبدالله صالح واسم الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر.
وتفاخر قبيلة بكيل بانتماء أتباعها الى المذهب الزيدي. وهم موزعون جغرافياً من شمال صنعاء الى محافظة صعدة الجبلية. والزيدية فرع من الشيعة، ويشكّل اتباعها ثلث عدد السكان في بلاد ذات غالبية سنية. ويسعى المتمردون الزيديون والحوثيون الذين تخوض القوات النظامية حملة عسكرية ضدهم منذ 11 آب الى الحصول على دعم ايران والقوى المناهضة للولايات المتحدة وحلفائها.
أما الحوثيون الذين يمثلون التيار السياسي داخل الطائفة الزيدية، فقد بدأ خلافهم مع النظام منذ انفصل حسين الحوثي عن "حزب الحق" الزيدي في البرلمان عام 1996، وأسس حزباً يحمل اسم "الشباب المؤمن". وكان الهدف المعلن لجماعة "الشباب المؤمن" المحافظة على الزيدية في مواجهة إزدياد نفوذ السلفيين السنّة الذين تضاعف حضورهم في شمال غرب البلاد.
عام 2004 قتلت القوات اليمنية حسين بدر الدين الحوثي الذي كان لسنوات حليفاً لنظام صنعاء وممثلاً عن "حزب الحق" في البرلمان. وخلفه في قيادة التمرد شقيقه عبد الملك الحوثي الذي يطالب الدولة بالحفاظ على تراث الزيديين وأرضهم ومساواتهم مع سائر المواطنين.
الرئيس علي عبدالله صالح استغل مناسبة العيد الوطني ليقدم عرضاً عسكرياً في العاصمة صنعاء وباقي المدن اليمنية، اعتبره الديبلوماسيون رسالة مباشرة الى المتمردين في الداخل، ومحرضيهم في الخارج. وانتقد في كلمته دعاة الانفصال ودعاهم الى حوار سياسي بنّاء تحت سقف الالتزام بالثوابت الوطنية.
وفي مناسبة انعقاد مؤتمر المغتربين اليمنيين في صنعاء، هاجم الرئيس علي عبدالله صالح الحوثيين في الشمال وقوى "الحراك" في الجنوب، واعتبر في كلمته "المرتدين عن الوحدة كالمرتدين عن الاسلام".
ويرى المراقبون ان الخيار الذي اتخذه الرئيس اليمني شبيه الى حد ما بالخيار الذي اتخذه الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في ربيع 1980 يوم قرر مجابهة "الاخوان المسلمين" في حماة وحلب وسائر المدن. والطريف ان مدينة "آخن" الالمانية كانت المركز الذي تصدر عنه تعليمات زعيم "الاخوان المسلمين" لانصاره في سوريا... تماماً مثلما يصدر يحيى الحوثي، شقيق عبد الملك، تعليماته الى جماعته المتمردة من المانيا حيث يحظى بحق اللجوء السياسي.
عقب توقيع اتفاقية الدوحة عام 2007، وافقت الحكومة اليمنية على وقف ملاحقة النائب الفار يحيى الحوثي بواسطة البوليس الدولي (انتربول) وذلك تجاوباً مع استعداد شقيقه عبد الملك لفتح حوار مع السلطات. علماً بأن الحوار الذي إرتضاه كان مرتبطاً بـ"مشروع رؤية الانقاذ الوطني". أي المشروع الذي تقدمت به الهيئة التحضيرية للانقاذ، والمؤلفة من رموز المعارضة داخل تكتل "اللقاء المشترك".
ويبدو أن الرئيس علي صالح رفض طروحات "اللقاء المشترك"، الامر الذي شجع عمرو موسى على عرض دور الوسيط تفادياً لغرق اليمن في حرب أهلية مذهبية يصعب الخروج منها. وذكرت الصحف المصرية أن زيارة وزير الخارجية أحمد أبو الغيط ورئيس الاستخبارات عمر سليمان، الى صنعاء أخيراً، كانت تهدف الى تعزيز العمل العربي المشترك لمواجهة مخططات التقسيم والفوضى.
كذلك حرص الوفد السعودي بقيادة الملك عبدالله بن عبد العزيز، على تضمين البيان الصحافي في قمة دمشق، بعض مخاوفه من تدويل أزمة اليمن. وذكرت الفقرة المتعلقة بهذا الموضوع انه: "تم التأكيد على ضرورة دعم حكومة اليمن، وتأييد جهودها لبسط الامن والاستقرار في جميع انحاء البلاد، والقضاء على الفتن والقلاقل التي تهدد وحدة البلاد وسلامة السكان".
ولم تكن هذه العبارة التي حذفت من البيان السوري اكثر من تحذير اعلامي يرمي الى القاء الضوء على أحداث مرشحة للتفاعل في اليمن خلال الاشهر القليلة المقبلة. وهي احداث بالغة الخطورة لا بد أن تؤثر على حركة الملاحة في قناة السويس والبحر الاحمر ومضيق باب المندب، وبسبب الفوضى العارمة التي نشرتها الحركات السلفية في الصومال بتشجيع من "القاعدة"، أصبح خليج عدن ومضيق باب المندب موقعين مثاليين للقرصنة ولكل الاعمال المخالفة للأنظمة الدولية.
وكان من الطبيعي ان ينال اليمن النصيب الاوفر من المشاكل الامنية. علماً بأن فكرة الانصهار الوطني كانت هدف كل الحكومات منذ انتهاء الحرب الاهلية اليمنية سنة 1970. والمؤسف أن الضغوط الخارجية والتكتلات القبلية والطائفية، والولاءات الشخصية، حالت دون تحقيق الاصلاحات المطلوبة.
يقول أصدقاء الرئيس علي صالح انه عرف في السابق كيف يستثمر الفرص لتوجيه الضربة القاضية الى خصومه. وبما انه ينتمي الى السلك العسكري، فان غالبية قراراته تحمل صيغة القوة والبطش. وقادة هذا الاسلوب الى فرض رئاسته بقوة المسدس الذي وضعه على الطاولة أمام أعضاء مجلس القيادة. وكان ذلك عقب اغتيال الرئيسين ابرهيم الحمدي وأحمد الغشمي وظهور انشقاقات داخل مؤسسة الحكم (17 تموز 1978).
وفي المرة الثانية استغل علي صالح عملية التصفية الجماعية التي وقعت في عدن (13 كانون الثاني 1986) داخل اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الحاكم. يومها قضى الرئيس علي ناصر محمد على كل خصومه قبل ان يهرب الى صنعاء. وبسبب تلك المجزرة اقتنعت موسكو أن القبلية داخل عقول الرفاق اعمق من الثورة، لذلك انتهت تلك الواقعة بتهيئة الظروف لاعلان الوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي في ايار 1990.
ترى الدول المعنية بأمن البحر الاحمر ومضيق باب المندب، ان الحسم العسكري الذي استخدمه الرئيس علي صالح مدة ثلاثين سنة، لم يعد ممكنا في ظل الظروف القائمة. خصوصاً ان الحرب بدأت مع ثلث سكان البلاد من الزيديين، ثم إتسعت لتشمل أنصار "الحراك الجنوبي" الذين يحرضهم نائب الرئيس السابق سالم البيض عبر الهاتف ومكبرات الصوت.
ويبدو أن عملية اسقاط طائرة حربية بواسطة صاروخ أرض – جو، قد أكدت لقيادة الجيش أن شحنات جديدة من الاسلحة المتطورة قد وصلت الى المتمردين والانفصاليين. كما شكل مقاتلون اضافيون من الصومال دربتهم "القاعدة" على افتعال عمليات شغب وتهجير تؤدي الى نزوح سكان محافظات صعدة وعمران وحجة، في اتجاه السعودية. واضطرت المملكة الى ارسال شاحنات محملة بالاغذية والخيام لايواء ألوف الهاربين.
وفي المداخلة الطويلة التي قدمها وزير خارجية اليمن ابو بكر القربي خلال اجتماعات المجلس الوزاري العربي في القاهرة، إشارات بارزة الى العناصر الخارجية التي تغذي الخلافات. وقال إن "القاعدة" تستثمر الوضع المضطرب للتسلل عبره الى الانفصاليين في الجنوب والى الحوثيين الذين تحولوا أجندة سياسية في يد ايران. ولدى الدولة أدلة ثبوتية بأن طهران تسعى الى جرّ السعودية وادخالها طرفاً في النزاع بحيث تتورط مثلما تورطت مصر في اليمن مطلع الستينات.
لهذه الاسباب وسواها يحرص عمرو موسى على اجتراح حل سياسي عربي، قبل ان تتدول أزمة اليمن وتجنح في عنفها نحو خيار "الصوملة" أو "الأفغنة".
وتشاطره في هذه المخاوف دول عربية وغربية، على اعتبار ان الحرب السادسة في "صعدة" لم تعد صراعاً داخليا فقط بقدر ما هي صراع خارجي بأدوات داخلية!.
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)   
النهار اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro