English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العرب يحاصرون أنفسهم
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2009-11-12 08:29:18


بقلم سليمان تقي الدين:    .
لم يعد العرب بحاجة إلى أعداء، صار لديهم ما يكفي من النزاعات لكي يتجاهلوا ما يحيط بهم من تحديات. بعد نصف قرن من النضال الوطني أنشأت دول الثورات الكبرى أنظمة ما زالت تبحث عن شرعيتها. مصر والجزائر واليمن والسودان والعراق وفلسطين ولبنان، كيانات بلا هوية، وأنظمة منفصلة عن شعوبها، وقضية واحدة تسيطر على المشهد العام هي الصراع على السلطة وتجديد السلطة. قبائل وطوائف ومذاهب بعضها قديم وبعضها مستحدث في شكل أحزاب وتيارات وحركات تأخذ الصراع السياسي في اتجاهات بعيدة عن آفاق الوحدة الوطنية أو
التقدم الاجتماعي أو المشاركة. وفي كل مكان يد ممدودة خارج الحدود استجراراً لدعم يستجلب قوة على الطرف الآخر. أقام العرب هياكل سياسية فوق مجتمعات لم يسبق أن حققت اندماجها الوطني في ظل النظام الإقطاعي الذي حكم المنطقة مئات السنين ولم تستطع الرأسمالية تثوير علاقاته الاجتماعية لأنها نشأت في ظل الاستعمار وارتبط تطورها بحاجاته ومصالحه. كانت حركة التحرر الوطني العربية بنموذجها المصري الناصري القائد محكومة ببناء اقتصاديات تشكّل ركيزة للاستقلال السياسي. حكمت المعايير السياسية هذا التطور الاقتصادي وتحكّمت فيه، وحين حصل تحوّل بتشكيل سلطات ذات امتيازات أطاحت كل الاعتبارات التي أخضعت هذا التطور لصالح تنمية شاملة.
المكتسبات الوطنية والاجتماعية جرى الانقلاب عليها وتجويفها. تم تطويع الأحزاب التي قادت العمل الوطني وتحولت إلى جزء من منظومة السلطة المنفصلة عن هموم الناس. تم تحوير القطاع العام ثم تصفيته لمصلحة البيروقراطية والرأسمالية الجديدة. فشلت خطط التنمية في تجاوز التفاوتات الاجتماعية التي من بينها بيئات قبلية أو طائفية أو مناطقية. حجبت المشاركة الشعبية والحريات العامة فتحولت أشكال المقاومة للنهج السياسي والاقتصادي إلى المجتمعات التقليدية وثقافتها الفطرية الدينية.
لم تعد العروبة الآن الإطار الجامع لمشروع النهوض العربي. يتدخل العرب بالعرب دعماً لهذه السلطة أو تلك، لهذا التيار أو ذاك في سياق الفوضى الكيانية الضاربة أطنابها في الدول التي ذكرناها. تخرج أسراب الطائرات لتقصف جماعة يمنية قد تكون خطراً على سلطة النظام، لكنها ولدت في رعايته في مواجهة تيار سياسي ديني آخر. يتدخل العرب في العراق لبناء توازنات مذهبية عبر دعم موجات العنف واحتضان التشكيلات القبلية. ويتدخل العرب في لبنان لترجيح تكتل طائفي على آخر وفي فلسطين لنصرة قبيلة السلطة أو قبيلة الانفصال عن السلطة ولو أن السلطة لم تعد مطلوبة لأهلها بعد أن مرّغتها إسرائيل في وحول الإهانة والاستهتار بها.
صار النظام الرسمي العربي مشغولاً بدعم أنظمة عاجزة عن حماية نفسها من حركات الانفصال أو انتفاضات قوى شكّلت من قبل ركائز لهذه الأنظمة في وجه تيارات الحداثة أو الإصلاح. تقف المجتمعات العربية المأزومة اليوم مشلولة الإرادة عن اتخاذ أية مبادرة لكبح جماح سياسات التفكّك المقابلة لسياسات القمع والضبط والاستئثار.
يحاصر العرب أنفسهم بأنفسهم، فليس هناك من تيار شعبي يخترق منظومة العلاقات الرسمية ويشكل ضغطاً إيجابياً على حركة السلطات، وليس هناك من انجذاب نحو مواقع المواجهة الحقيقية مع الاستعمار الجديد، ولا من تضامن مع الحد الأدنى من أشكال المقاومة الفاعلة ضده. المقاومة نفسها تبدو خروجاً عن المناخ العربي السائد وهي تحاصر نفسها باتخاذ هويات ثقافية أو مذهبية لا تلقى صدى في الشارع العربي.
لا شيء في الأفق يسمح بتوقع اتجاه معاكس لحالة الانحدار العربي. ليس هناك من طرف عربي يحظى بدور المرجعية أو المصداقية أو الثقة للمساهمة في حل المشكلات. ثمة حاجة ملحة لتأسيس نقطة ارتكاز ومشروع لإعادة بعث الروح في تيار شعبي داخل الدول وبينها يطرح خيارات جديدة لبناء الدولة العربية القطرية والقومية على حقوق المواطنة العربية. لقد صارت أنظمة الاستئثار وعلاقات التسلط والهيمنة مدعاة لحروب أهلية بأشكال مختلفة، وبات إنقاذ الأوضاع يتوقف على تعاقدات وطنية من نوع جديد.
السفير اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro