English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كوشنير كان دوماً كذلك
القسم : سياسي

| |
السفير 2009-11-21 08:24:46


بقلم نصري الصايغ:    . 
أطول حبل تاريخي، هو حبل النفاق، وعليه، يلزم أن نغيّر الأمثلة الشعبية ومنها، «حبل الكذب قصير». والفائدة من هذا التغيير، أن المواطن العربي المفترض، لن يدهش كثيراً، وسيتعامل بموضوعية مع السيرة السياسية الغربية المتعددة. وسيعتاد على تجريد السياسة الغربية، من مثاليتها الادعائية، ومن هندامها الأخلاقي، ومن تبرجها بمساحيق حقوق الإنسان.
وما جاء أعلاه ليس جديداً، وليس من اكتشافاتي، ولست من أصحاب هذه الموهبة. لعل رابندرانات طاغور، شاعر الهند الكبير، الحائز جائزة نوبل، بجدارتين، أدبية وأخلاقية، أصدق مني: «من الواضح أن شعلة الحضارة الأوروبية لم تكن لتنير الأقاليم الواقعة ما وراء حدود أوروبا، بل لتوقد فيها الحرائق».
نحن، هذه البلاد السائبة، ابتليت بالحرائق، وجرى إطفاء حرائقها ومداواة حروقها المشوّهة بالمراهم الأخلاقية.
ما دفعني لكتابة هذه السطور، وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير، القادم من محطات، كان له فيها «قداسة» الريادية «الإنسانية». فهو دشن الخطاب الإنساني بالمؤسسات الإنسانية. رئيس «أطباء بلا حدود»، تنقل حاملاً الدواء والروشتة والغذاء، الى أصقاع الدنيا، وحل ذات حرب في موانئ لبنان... لمداواتنا بالمراهم، وحقوق الإنسان، ووقف العنف.
تلك كانت مسيرته إلى أن كشف بذاته ـ ولم يحوجنا إلى كشفه ـ براعته في التمثيل المباشر والفج، لأعلى مراتب ومواقع الانتهازية، على الإطلاق.
ففي فترة أيام معدودة، صرح بما يلي: «حميد كارزاي، رجل فاسد، ما العمل؟ لكنه رجلنا». إن عبارة «رجلنا»، تمحو فساد الرجل. تطهّره من آثامه وجرائمه، وتبوّئه مكانة الزعامة، على شعب سحلته أميركا والناتو وفرنسا.
ثم إنه عبّر عن بشاعة «القيم الإنسانية» التي احتذاها (من حذاء) بتصريح، أقل ما يقال فيه إنه لا يصدر عن سياسي، جاء من مدرسة النفاق السياسي والعُهر الدبلوماسي، فهو ليس عنده غضب يصبه على منتهكي حقوق الإنسان في فلسطين، فغضبه مختص بالملف النووي الإيراني. وليس عنده تأتيب لإسرائيل، لأنها قررت مواصلة هدم بيوت فلسطينية وبناء مستوطنات إسرائيلية. وليس عنده الشجاعة الدنيا، الشجاعة الرثة، كي يوقع على رفض بناء الجدار الاغتصابي في فلسطين، فيما كان يمتلك الجرأة، ليمسك بيده معول الهدم، لدك جدار برلين، لفظاً وفعلا.
آخر ما ابتكره لنا، من عبقريته السوبر انتهازية، نظرته إلى استمرار الاستيطان في القدس والضفة الغربية، «بإن الأمر كان كذلك دوماً». وأردف: «في الوقت الحاضر، تجب معاودة الانطلاق في محادثات إنسانية، وجهاً لوجه».
من زمان، وفلسطين خارج منظومة حقوق الإنسان، واهتمامات الكثير من المؤسسات الإنسانية، ومنظمات الـ N.J.O، غير الحكومية، المهتمة بتدريسنا، كشعوب متخلفة، «احترام الغير» (ونحن من مؤسسي الاعتراف بالغير، دينا وحضارة وثقافة. ولم نقم بتدمير الغير، إلا بعدما تم تدريبنا، عبر الاستشراق الثقافي والعسكري، على إيقاظ النقائض والتناقض بين المختلفين). كما أنها استثنت العرب والفلسطينيين تحديداً، من رعاية منظمات ذات سمات أو سحنات إنسانية... وصرنا، كلما أطنبنا الغرب وبشرنا وحذرنا بواسطة منظومة حقوق الإنسان، أوشكنا على يقين بأن حربا غربية ستخاض ضدنا، أو حربا إسرائيلية لا بد من إيجاد مبرر أخلاقي إنساني، لخوضها.
إنها لنازية مقنّعة، إنها لفاشية متسترة. إنها لعنصرية همجية، بربطات عنق، وأكمام منشّاة، وعطور فاخرة. إنها لنازية جبانة، تستقوي على الضعفاء، ولا تتجرأ على «ليبرمان» العنصري، الممتلئ حقداً، ولكنها تتجرأ على طفل أو فتى يعبر الأنفاق إلى غزة الجائعة والضحية.
وبرنارد كوشنير ليس وحيداً، بل هو الأفصح تعبيراً في محاضرات العفاف وممارسات الزنى السياسي. وهو ممثل أنموذجي لنظام عالمي، يحارب الفقر بواسطة قائد سياسة القصف الجوي على فيتنام، روبرت مكنمارا، ومدشن أوامر الطاعة لصندوق النقد الدولي.
لا شيء يمنع الغرب أبدا من أن يكون مع صدام حسين، دكتاتوراً حاكماً، مدعوماً، ثم ملغوماً، لا شيء يمنع الغرب من أن يكون ديموقراطيا في بلاده، وتيمورلنكيا في بلاد «البرابرة الجدد».
غير أن للتاريخ أحيانا قدرة على تلقين هؤلاء، ما لم يتوقعوه أبدا. من كان يظن أن القاتل الفرنسي، جمال باشا الفرنساوي، الجنرال غورو، الذي رفض استسلام حكومة فيصل، قبل الزحف إلى دمشق، وأصرّ على دخول سوريا بالقوة العسكرية، كمنتصر على مهزومين... من كان يظن أن غورو هذا، الذي احتل هذه البلاد بجزمته، لا بفكر فرنساه، سيكون هو ذات حرب، ضحية الاحتلال النازي لبلاده. هل صحيح ان «ما من ظالم إلا ويبلى بأظلم»؟؟
أخيرا، رداً على ما قاله كوشنير عن المستوطنات «بأن الأمر كان كذلك دوماً»، نقول: «الغرب، وتحديداً فرنسا، كانت دوماً كذلك».
السفير اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro