English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

وثيقة «حزب الله»: هل «النظام» من الإيمان؟
القسم : سياسي

| |
السفير 2009-12-02 08:13:42


بقلم فواز طرابلسي:     .
أبرز ما عبّرت عنه الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر الأخير لـ«حزب الله» أعراض ونتائج مخاض معقد عاشه حزب المقاومة الإسلامية على كافة الصعد خلال ربع قرن من الصراعات والتجارب والتضحيات. تشي الوثيقة بتعدد مقاربات الحزب بل تفارق هوياته. هو حركة تحرر وطني على الصعيد العالمي، وحركة مقاومة، على التباسات مصطلح «المقاومة» فلسطينياً وعربياً، وهو ما يقترب أكثر فأكثر من قوة دفاع وطني على الصعيد اللبناني حسمت أمر انتسابها إلى نظام الطوائفية السياسية، حتى لا نقول إلى النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي السائد أيضاً.
في سعيه التحوّل إلى حركة تحرر وطني على الصعيد العالمي، وتحليل مفاصل السيطرة الاستعمارية على المنطقة، يغرف «حزب الله» كثيراً من مصطلحات ومفاهيم التراث اليساري العالمي، بما في ذلك اكتشافه أن شمولية الهيمنة الإمبريالية تستدعي عالمية المواجهة لها. وقد تجلى ذلك خصوصاً في تشديده على الروابط النضالية بين الشعوب العربية والحركات اليسارية في غير بلد من بلدان أميركا اللاتينية.
هي نظرة شمولية إلى المنظومة الإمبريالية تتربع على رأسها الولايات المتحدة وتشكل إسرائيل جزءاً عضوياً منها. ولا تخفي الوثيقة القاعدة الاقتصادية للهيمنة الإمبريالية في «الرأسمالية المتوحشة» (شرط أن لا يكون بديلها «الرأسمالية الناعمة» لأنها ليست أرحم). ومع أن تعيين الطبقة المسيطرة على السلطة في الولايات المتحدة على أنها «المجمّع العسكري ـ الصناعي» قد تقادم عليه الزمن بعض الشيء مع اعتلاء الرأسمالية المالية سدة الهيمنة، إلا أن هذا لا يمنع الوثيقة من تعيين الطور الجديد من أطوار تلك الإمبريالية التي هي عولمة الاحتكارات والعسكر. يترتب على هذا منظور إعادة الاعتبار لصراع غنى وفقر وبين مستكبرين ومستضعفين.
إذا استثنينا التسرّع في إعلان انهيار نظام القطب الأوحد والأفول التاريخي للكيان الصهيوني، لن نلقى هنا أثراً كبيراً لفكر علي شريعتي ولا إسلام ثورياً، كما يريد البعض، بقدر ما نجد استعادة لبعض مصطلحات الثورة الإيرانية في عهد الخامنئي وقد بهتت بعض الشيء مع حلول الضبط الأمني والعقائدي محل الحماس الثوري والقيم الجمهورية.
في القسم العربي، نلحظ مغادرة القسم الأكبر من هذه العدّة المنهجية، لا يبقى منها إلا دور الإمبريالية في نهب النفط ـ وهو تشديد لا يجوز التقليل من أهمية وروده في الوثيقة في زمن التحريم السائد على الحديث عن النفط ودوره ـ ودعم الأنظمة الاستبدادية والتبعية. بعد مثل هذه الإشارات الخفرة، وما تثيره من قضايا، يضيق عن نقاشها المجال هنا، يجري الانتقال إلى جدل المقاومة/ التفاوض في دائرة النزاع العربي ـ الإسرائيلي حيث يقفز الحزب فوق مسألة الدولة الفلسطينية ليدعو إلى تحرير كامل فلسطين واستعادة كامل الحقوق بما فيها القدس. ويطالب المسؤولين العرب بالتراجع عن مفاوضات التسوية. ويقدم الحزب مقاومته وتجاربه، العسكرية خصوصاً، لمن يحب الإفادة منها.
في أقسامها اللبنانية، تعلن الوثيقة الانضواء الحاسم لـ«حزب الله» في النظام السياسي اللبناني. مع ذلك، يشعر المرء بقرصة فرح وهو يسمع ويقرأ إعلان هذا الانتماء الحاسم إلى الوطن من قبل مَن دفعوا الدم الغالي ثمن الاشتراك في هذا النادي الحصري المسمى لبنان. ويلفته أيضاً الإعلان الحاسم لاحترام التعدد، وإن يكن يتجاوز التعدد الإيماني والسياسي والمعتقدي والثقافي، إلى تعدد الطوائف والمذاهب السياسية الممأسسة.
تعلن الوثيقة أن الطائفية هي المشكلة الأساسية للنظام السياسي اللبناني والعقبة الرئيسية أمام قيام ديموقراطية صحيحة. ومع ذلك، فهي تنسحب حتى من الدعوة إلى تجاوز النظام الطوائفي. فقد اكتفى السيد حسن نصر الله خلال مؤتمره الصحافي بالدعوة إلى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، مذكراً أن تشكيلها ليس يعني بالضرورة الالتزام بتحقيق هدفها. في الانتظار يعلن «حزب الله» تمسكه بالتوافقية الطوائفية نظاماً سياسياً للبنان على اعتبارها الأكثر تعبيراً عن روح الدستور والميثاق. وهو طبعاً اجتهاد أحادي الجانب. ذلك أن روح الدستور موزعة بين مواطنين وجماعات. تخصص لكل منهما هيئة تمثيلية، المجلس النيابي خارج القيد الطوائفي لتمثيل المواطنين ومجلس الشيوخ لتمثيل الطوائف.
لا تكتفي الوثيقة بهذا بل تتبنى ترسيمة «بناء الدولة» وقد باتت محط الإجماع الكذوب لجميع أجنحة الطبقة السياسية وكتلها. تكرر سبع عشرة وصفُهُ للدولة العتيدة: من بناء المؤسسات الحديثة ودولة القانون، وصولاً إلى رعاية المغتربين، مروراً بالتمثيل النيابي السليم، واعتماد الكفاءة، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء، واللامركزية الإدارية التي حدّها تحريم الفدرلة والتقسيم.
وحال بناء الدولة هنا كحال إلغاء الطائفية: إعلان المُتَمنى والمتعذّر، والذي لم يحن وقته بعد، في ضربة واحدة. فيبقى على الحزب وأقرانه في الطبقة السياسية فك هذا اللغز: كيف يتم بناء الدولة وفق نظام طوائفي توافقي يجري التأكيد أنه هو ذاته يشكل المشكلة الأساسية للنظام السياسي والعقبة الرئيسية أمام تحقيق الديموقراطية؟ أي أنه العقبة الرئيسية أمام «بناء الدولة» في كل واحدة من المواصفات السبع عشرة المذكورة أعلاه؟
يتكرر الأمر ذاته في الاقتصاد، حيث ترصف التمنيات ـ إنماء مناطقي متوازن، اقتصاد قائم على القطاعات المنتجة، تحسين الإنتاج والتصريف، خدمات مناسبة للمواطنين ـ تعليم، طبابة، سكن ـ الحد من الفقر (وفق ترسيمة البنك الدولي النيو ليبرالية، بديلاً عن تقليص الفوارق بين الطبقات مثلاً)، وتوفير فرص العمل وما شابه. وكأنها كلها في متناول اليد بغض النظر عن المديونية وعمن يتحكم بالقرار الاقتصادي وعن دور الدولة في توجيه الاستثمارات وحماية القطاعات الإنتاجية وإعادة توزيع الثروات والمداخيل والخدمات. وبغض النظر عن مدى ما يتلاءم هذا كله مع قرارات باريس 3؟ وكيف الحد من الهجرة وتوفير فرص العمل وفق نظام تعليمي خاص، بات منفصلاً بطريقة شبه كاملة عن الاقتصاد المحلي، ينتج الأيدي/ العقول العاملة المعدة للتصدير إلى الخارج؟
اللافت مدى ابتعاد «حزب الله» هنا عن صورته السابقة بما هو حزب فقراء الأرياف وضواحي المدن، ولو ضمن الطائفة الواحدة. فهل هو يعبّر عن الحراك الاجتماعي الكبير الذي عرفته الطائفة الشيعية خلال ربع القرن الماضي، جراء الهجرة ونمو طبقتها الوسطى وتضخم عدد خريجيها وترسمل مغتربيها؟ أم أنه يراعي انحياز فئات لا بأس بها من أغنياء الطائفة إلى صف الحزب خصوصاً بعد تموز 2006، على جاري عادة البرجوازيات الطوائفية في الانحياز للطرف السياسي الأقوى في الطائفة؟
تبقى الإشارة إلى تحسّب الوثيقة للمستقبل من خلال الدعوة للمزاوجة بين مقاومة شعبية تساهم في الدفاع الوطني وبين جيش وطني يحمي الوطن ويثبت أمنه واستقراره. والمؤمل أن تؤسس هذه المعادلة للبحث في مستويات تنسيق رفيعة مع الجيش تطرح على طاولة الحوار الوطني متى انعقدت. هذا من جهة. من جهة ثانية، يمكن قراءة الإعلان عن عدم استعداد الحزب الاعتراف بإسرائيل أبداً على أنه تحذير استباقي في حال انعقاد المفاوضات بين سوريا وإسرائيل وإمكانات توقيع معاهدة سلام في المحور السوري ـ اللبناني.
أخيراً، يلفت في بند العلاقات اللبنانية الفلسطينية أن الوثيقة ليست تجاري الحليف العوني في عنصريته التهجيرية ضد الفلسطينيين. إنها تشدد بدلاً من ذلك على الحقوق المدنية وترفق تكرار تعويذة «رفض التوطين» بالتمسك بحق العودة.
خلال حملة تنظيم السير في الضاحية الجنوبية، طرح «حزب الله» شعار «النظام من الإيمان». والسؤال: هل هذا النظام ـ الطوائفي الذي يتحكّم به حزب كبار المصرفيين والمستوردين والمقاولين ـ هو من الإيمان أم هو الكفر عينه؟
السفير اللبنانية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro