جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - المواطنة ركيزة الأمن القومي

English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المواطنة ركيزة الأمن القومي
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-08 08:38:02


على هامش اللقاءات الثنائية المصرية الكويتية التي تمت مؤخرا، أكد وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط تمسك مصر بأمن المنطقة العربية، بما فيها أمن منطقة الخليج العربي. ولم يكن تصريح أبو الغيط استثناء شذ عن موجة التصريحات التي تجتاح الساحة السياسية العربية التي لم يعد يخلو أي لقاء احتضنته أي من العواصم العربية مؤخرا، عن إشارة من بعيد أو قريب، بشكل مباشر أو غير مباشر حول الأمن العربي وضرورة توفير كل العوامل التي تضمنه، وبمستويات تلبي الاحتياجات المنظورة.
هذا يطرح أمام المواطن العربي، وعلى وجه التحديد الخليجي، علامة استفهام كبيرة حول مفهوم الأمن المطلوب تأمينه لحماية «البلاد» ككل أولا، والمواطن، كفرد ثانيا وليس أخيرا.
بالطبع، تعود نشأة مفهوم الأمن بعيدا في التاريخ إلى لحظة تأسيس المجتمع الإنساني، وتطور ذلك المفهوم وأزداد تعقيدا مع تطور تلك المجتمعات وتداخل العلاقات الدولية فيما بينها على المستويين العالمي والإقليمي؛ ما أدى إلى ارتقائها من مجرد إجراءات حماية ووقاية يسودها الكثير من العفوية والتلقائية، كي تصبح، كما هي عليه اليوم، أنظمة متكاملة تحقق أهدافها تقوم أساسا على تحقيق واحد من مطلبين أمنيين أساسيين:
1. متطلبات الأمن الخارجي، وهو الذي ينطلق من الحرص على تأمين الحماية المطلوبة لحدود سياسية معينة تهدد أمنها قوة أو مجموعة من القوى الخارجية.
ولعل الأمن العربي المطلوب تحقيقه إزاء التهديد الإسرائيلي أفضل مثل يشخص هذا النوع من الأمن. ولعل الثمن الباهظ الذي دفعه المواطن العربي كضريبة لتأمين الحدود العربية يعد من الأرقام القياسية بالمعيار الدولي في تأمين متطلبات هذا الأمن، رغم هشاشة أنظمة الأمن العربي الخارجي.
2. متطلبات الأمن الداخلي، وهو عندما تشعر الدولة، لأسباب ذاتية مختلفة، بأن أمنها الوطني مهدد من الداخل، إما من قبل جهات خارجية نجحت في زرع عناصر محلية للإخلال بالأمن الوطني، أو نظرا إلى تمزق ذلك المجتمع وافتقاده لمتطلبات «المواطنة» الأمر الذي يدفع حفنة من عناصره إلى تهديد الأمن من الداخل.
تحقيق هذين المطلبين لأمنيين يمكن أن يتم من خلال أحد أشكال الأنظمة التالية:
1. الأمن الذي توفره قوة حليفة خارجية، وهو ذلك النظام الأمني الذي توافق فيه دولة معينة، أو مجموعة من الدول، أو ترغم، نظرا إلى ظروفها الذاتية، على الاعتماد على قوة خارجية من أجل تأمين أمنها الوطني.
تتشكل من أجل ذلك الأحلاف، وتوقع الاتفاقيات. ولعل الوجود العسكري الأميركي، ومما ترافقه من قوات حليفة، ولأسباب مختلفة، في كل من العراق وقبل ذلك في أفغانستان، أمثلة حية على اعتماد البلدين على قوات خارجية لتأمين أمنهما الداخلي والخارجي على حد سواء.
يعاني هذا النوع من الأنظمة الأمنية من هشاشة واضحة مصدرها عدم كفاءة القوى الخارجية، مهما بلغت استعداداتها الفنية وحجمها البشري من جهة، وعدم تطابق مصالح الدول المحمية مع الدولة أو الدول التي توفر هذا النوع من الأنظمة الأمنية من جهة ثانية. ومجريات الأحداث في البلدين وتطوراتها فيهما، أكبر دليل على تلك الهشاشة.
2. الأمن المبني على القوة الذاتية الداخلية: وهو الذي تبنيه دولة معينة معتمدة على إمكاناتها الذاتية المتاحة بين يديها، مهما كانت محدودية تلك الإمكانات. حينها تحرص تلك الدولة على تجييش القوى الداخلية التي بحوزتها من أجل بناء نظام أمني يضمن حماية حدودها، من الداخل أو الخارج، من أي اختراق يهدد ذلك الأمن. ولعل أفضل من نجح في تحقيق هذا النمط من الأمن، وللأسف الشديد، هو دولة «إسرائيل»، التي مارست ظروف نشأتها، وطبيعة التحالفات التي نسجتها منذ العام 1948، على الانكفاء نحو الداخل، والاعتماد بشكل كبير على القوة الداخلية الذاتية، دون إهمال أو رفض أي شكل من أشكال الدعم الخارجي، ولعل هذه المعادلة المعقدة التي حرصت «إسرائيل» على التقيد بكل حذافيرها، كانت من أهم أسباب قدرة «إسرائيل» على مواجهة التهديدات العربية.
ولابد من الإشارة هنا إلى قوة آلة الإعلام الصهيونية على زرع بذرة «المواطنة» و «الولاء» المطلوبين للوصول إلى الكفاءة العالية التي يتمتع بها نظام الأمن الإسرائيلي.
وبالتمعن في هذين الشكلين من أشكال الأنظمة الأمنية، بوسع المتابع أن يرى أن القضية الأمنية، أو بالأحرى كفاءة النظام الأمني، لا تقوم على تخصيص الموازنات الضخمة، ولا الاستنجاد بالقوات الخارجية الكبيرة، ولا الاعتماد على التقنيات المعقدة، بقدر ما هي قدرة الدولة المعنية الباحثة عن نظام أمني كفء، على بناء علاقة ثقة متبادلة متينة راسخة بينها وبين المواطن. فبقدر ما تنمو علاقة الثقة المتبادلة وتترسخ دعائمها، بقدر ما تضيق الثغرات الأمنية التي يمكن أن ينفذ منها أي عدو خارجي، أو أن يستغلها أي عنصر داخلي.
باختصار، يبقى المواطن هو الركيزة التي ينبغي أن تعتمد عليها الدولة في بناء أي نظام أمني، فأمام رسوخ هذا الولاء الداخلي تتهاوى كل الأنظمة الأمنية الأخرى، مهما بدت عملاقة من الخارج، فهي تعاني من تآكل من الداخل. ولعل هذا العامل هو الذي يدفع حكومات البلدان المتقدمة إلى كسب ولاء المواطن قبل التفكير في بناء أي نظام من أنظمة الأمن القومي.

الوسط - 8 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro