English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شروط المقاطعة ومتطلبات المشاركة (4)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-12-21 08:59:53


بعد أن سردنا، وبشيء من التفصيل شروط التأسيس لإستراتيجية مقاطعة ناجحة وفعالة، نأتي اليوم لنهاية المطاف بتحديد المتطلبات التي ينبغي أن تتزود بها القوى المشاركة في العملية الانتخابية كي تمارس دورا مجديا وبنّاء.
أول تلك المتطلبات الضرورية، هو اقتناع تلك القوى بالنواقص النوعية التي تعاني منها المؤسسات التشريعية القائمة، وفي مقدمتها البرلمان، وحاجة تلك المؤسسات إلى برنامج إصلاحي جذري مصحوبا بعمل مكثف دؤوب، ينقلها من حالتها الراهنة إلى حالة أكثر رقيا، يتم فيها الاعتراف بالصلاحيات التشريعية التي لا يمكن أن يساوم عليها أي برلمان، وفي مقدمة تلك الإصلاحات تبرز مسألتان، الأولى مسألة تداول السلطة، والثانية هي المعالجة الجذرية للدستور كي يتمتع بكل المواصفات التي تحتاجها سلطة تشريعية مؤثرة في مملكة دستورية معاصرة.
أما ثاني تلك المتطلبات فهي أن تحدد القوى المشاركة، وبشكل صادق وشفاف مع الذات قبل أية قوة أخرى، لأولويات قائمة تناقضات الصراع، إذ ينبغي أن تضع القوى المشاركة في أسفل تلك القائمة من تناقضاتها القوى المقاطعة، بل قد يصل الأمر في مراحل معينة لأن تزال كل أشكال التناقضات، مهما بلغ التباين في وجهات النظر فيما بينها، على أن يتم كل ذلك انطلاقا من قناعة مطلقة، بعدم السماح لذلك الاختلاف أن يصل إلى مستوى التناقض، دع عنك بلوغه مستوى التناقض الرئيسي.
ومما لا شك فيه أن الوصول إلى هذا المستوى الراقي من العلاقات السياسية التكاملية، بحاجة إلى درجة عالية من النضج لدى كلتيهما، وبالتالي فمن المتوقع أن تكون هذه مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، ومن الخطأ سياسيا التسامح مع من ينتهك حرماتها.
يلي ذلك ثالث تلك المتطلبات، وهو اقتناع القوى المشاركة بأن البرلمان، لا يعدو أن يكون إحدى ساحات المنازلة، وبالتالي لا يمكنها أن تكون الساحة الوحيدة التي تناضل من خلالها القوى المشاركة لتحقيق برامجها التي تدافع عن الحقوق السياسية للمواطن ومصالحه. ولذا ينبغي أن تحيط تلك القوى حضورها البرلماني بمجموعة كثيرة من منظمات المجتمع المدني التي تشكل سياج الحماية الذي يدافع عن البرلمان أيضا، وليس عن أعضائه فحسب، من جهة، ويضع بين أيديها القنوات الصحيحة التي تمدها بالقدرة على التواصل مع ذلك المواطن وتلمس احتياجاته من جهة ثانية.
إن غياب القوى المشاركة عن تلك المنظمات، أو فشلها في تقدير ثقلها الحقيقي في موازين القوى المتصارعة سياسيا، سواء داخل البرلمان أو في خارجه، يحرمها من أهم أسلحتها التي تحتاجها لتنفيذ برامجها الإستراتيجية من خلال تعزيز حضورها الجماهيري.
يأتي بعد ذلك رابع تلك المتطلبات، وهو القناعة الراسخة في أذهان القوى المشاركة والمنعكسة في سلوكها اليومي بأن مهامها الرئيسية تنبع من مصادر «تشريعية» وليست «خدماتية»، فهذه الأخيرة ينبغي أن تكون من صلب اختصاصات ومهام المجالس البلدية.
خلط الأوراق بين «التشريع» و»الخدمات» يشوّه صورتيهما ويفقدهما، سوية، الكثير من الديناميكية التي يحتاجانها، ويوفر الأرضية الملائمة للسلطة التنفيذية ومؤسساتها الإعلامية كي تبرز عضلاتها، وتشكك في مصداقية المؤسستين، وتأخذ زمام المبادرة من أيدي القوى المعارضة النشطة فيهما.
نصل بعد ذلك إلى خامس تلك المتطلبات، وهو تبني إستراتيجية مرحلية، تنعكس على نحو جيد في البرامج الانتخابية، وتتمتع بالوضوح الشديد في قائمة أولوياتها، والتمييز الدقيق بين ما هو تكتيكي قصير المدى، وذلك الإستراتيجي البعيد المدى.
ففي غياب ذلك التمييز، تتداخل المهمات وتذوب الفوارق الجوهرية بينهما، ويتحول البرلمان إلى ساحة للمبارزات الكلامية الجوفاء، والنقاشات البيزنطية التي ترغم الجميع، باستثناء السلطة التنفيذية، على الدوران الأفقي في حلقة مفرغة، مما يفسح المجال أمام السلطة التنفيذية حينها كسب الوقت، والانقضاض على المعارضة وتمزيق صفوفها وإشاعة الفرقة فيما بين كتلها، مما يبيح لها، من خلال إضعاف المعارضة، تمرير القوانين التي تخدم إستراتيجيتها - أي السلطة التنفيذية - أو إرجاء التشريعات التي قد تعيق مشروعاتها أو تعرقل مخططاتها، وعلى وجه الخصوص تلك التي تعزز من إحكام قبضتها على مجريات الأمور وتضعف من صلاحيات البرلمان في آن.
ولا يقصد من ذلك إغفال أو تجميد النضال من أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية، بقدر ما هو دعوة لتوقيت طرح الأمور كي تأتي متناغمة، زمنيا، مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
ولتقريب الصورة من ذهن القارئ، يمكننا الإشارة هنا إلى موضوع إصلاح الدستور القائم، والذي هو هدف إستراتيجي طويل المدى، مقابل التشريعات التي تنظم العلاقات اليومية بين السلطة والمواطن أو مؤسسات المجتمع المدني، والتي تقع في فئة الأهداف القصيرة المدى.
وينتهي بنا المطاف هنا إلى سادس المتطلبات وهو تحاشي التحوُّل إلى شريحة طفيلية اجتماعيا، تلتهم نسبة من موازنة الدولة أو ترهق كاهل المواطن، جرّاء ما باتت تتمتع به من امتيازات متنامية، تتحول مع مرور الوقت إلى مكتسبات مادية ومعنوية، يجد البرلمان نفسه مضطرا للدفاع عنها، وتسيطر، في الوقت ذاته على سلوك القوى المشاركة التي باتت المستفيدة الأساسية منها، فتأسر أفرادها، وتحولهم بشكل تدريجي واحدا تلو الآخر، باستثناء القلة النادرة منهم، إلى فئة اجتماعية تحكمها مصالحها الفردية الذاتية الضيقة، بدلا من أن تسيّرها آليات الدفاع عن مصالح المجتمع، وتطوير القوانين التي تحمي أفراده ومؤسساتهم المدنية.
في ضوء كل ما تقدم نكتشف أنه بقدر ما تكون شروط المقاطعة صعبة ومعقدة، لكنها تتضاءل أمام متطلبات المشاركة الناضجة ذات الرؤية الواضحة والبرامج الصحيحة غير القابلة لأي شكل من أشكال الإنحراف سياسيا كان أم أخلاقيا. ولربما آن الأوان كي تقف قوى التيار الوطني الديمقراطي أمام الكثير من الأطروحات التي بات البعض منا يأخذ بها كنوع من المسلمات غير القابلة للنقاش، وتضعها تحت مجهر موضوعي من أجل الخروج بموقف سياسي سليم من خيار المشاركة أو المقاطعة.
وإلى أن يتم ذلك لا نملك، من خلال قراءتنا لخارطة القوى السياسية وموازين القوى المتصارعة، سوى القول بأن كفة الميزان لا تزال تميل نحو المشاركة، أخذا في الاعتبار الظروف السائدة، وخيارات النضال السياسي المتاحة.

الوسط - 21 ديسمبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro