English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

من لا جدار له.. لا دين له
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-01-15 07:32:08


فؤاد ابراهيم:    . 
لوحة فنية نادرة رسمها رهط قافلة (شريان الحياة)، حين جابوا البلدان طمعاً في إحداث (جلبة) في الضمير العالمي والعربي الرسمي، كي لا تُنسَى قصة التواطؤ على قطاع غزّة، الذي يفقد تدريجاً خصائص الحياة، ويتحوّل الى أكبر معسكر في تاريخ الإنسان، بعد استكمال مشاريع (التجدير) المحيطة به. ولكن، أين وعينا مما يجري، وكيف يؤسس لفعل محثوث بوازع ما، أخلاقي، إنساني، ديني، قومي؟
فلم يعد ثمة معنى لمقولة أن نكون أو لا نكون، ولكن الأجدى بأن نسأل: كيف نكون؟ فقد نتحوّل إلى مجرد كائن عدمي مستلب وفق رؤية نيتشوية محقونة بكل صور الهلوسة العبثية التي تخرق مجالنا الثقافي، وتحيك رواية هروبنا من ذواتنا الفردية، كما يصوغها إريك فروم، بدلاً من البحث عن مفتاح عتقنا من جلاوزة الكلمة الحرة.
لقد نعى جان دونت صرخته، وأصبح للصمت فلسفة، فالعربي الطيب هو العربي الصامت، ليتحوّل العرب الى (ظاهرة صمتيّة) بحسب ما يملي النظام الرسمي العربي، الذي يدير عملية قلب النظام القيمي، في سياق تفسّخ ثقافي غير مسبوق، كما تعبّر عنه الإسباغات الساخرة على ممارسات سياسية نزقة، ما تلبث أن ترتدي معنى متعالياً، فبناء الجدار الفولاذي على حدود غزة يخترق وعينا القومي والإنساني ليتحوّل الى شعيرة قطريّة خانقة، فتصبح السيادة الوطنية بمثابة مسدّس (كاتم وعي) لكل من يضمرون كرامة... (لقد أصبح لجدار الموت كرامة هو الآخر، فلا تتحقق سيادة الدولة إلا به، هكذا ينبئنا السياديون الجدد).
كانت قافلة (ِشريان الحياة) بمثابة نافخ البوق الذي أراد إيصال رسالة لسدنة السيادة القاتلة، ولنا أيضاً كي نصغي إلى نذر المستور في واقعنا، كما عبّرت عنه فتوى (تحلّل) بناء جدار الموت، وسخر من معارضته مسؤول حين اعتبرها (كلام فارغ)، وصمت النظام الرسمي العربي بكل صخبه المقرف، فيما ترك لنا أبطال القافلة، وقوافل أخرى سابقة، مهمة خوض معركة كرامتنا.
هناك من يخشى من تعميم (بدعة) الجدار، منذ بناء جدار الكتروني على حدود السعودية والعراق قبل أعوام، ويُحضَّر لإقامة جدار آخر بين السعودية واليمن... وقد نصْحو ذات يوم وقد صار الشعار الأميركي (Good fences make good neighbours) (السياج الجيد يصنع جاراً جيداً) عقيدة قومية، وإذا بالسياج يصبح معلماً في حدود الدول العربية الشقيقة، ومصدراً ثرياً في حراكنا الثقافي، وللفنانين التشكيليين أن يعيدوا تشكيل وعينا بالجداريات، وفق رؤية معتدلة بعين عوراء.
تمّ إرغامنا على التنازل عن حريتنا، ولكن التهديد لا يحدق بنا لمجرد وجود أنظمة شمولية تقايض الحرية برغيف الخبز، فمصيبتنا تكمن في العقل الجبّار الذي يبيح انتهاك الكرامة بفيض من أحكام فقهية مستمّدة من الذاكرة المجذومة. إنها فلسفة التبرير التي تسوّغ العيش بطريقة غير مسؤولة، ولأن ثمة نشوة فظّة تجنح بجماعات منا نحو الانغماس في خدع الاستبداد الذي يطلق العنان لرقصات المطر المفرطة في سذاجتها كيما ينسى الجميع وجه القضية الأم، التي ما إن تطلّ برأسها حتى تخرج الأفاعي من جحورها لتبقي على المحاكاة الساخرة لوهننا المزمن، وتخبرنا بأن قدر هذه الأمة هو الغرق في بحر من التمزّقات الغريزية المشينة. فقد تحوّلت الطائفية، خزْينا الدائم، سلاح ردع فعال في وجه المطالبين بهدم الجدران، وبات لدى بعض الدول فائض من أسلحة الردع الثقافي والأمني ما يجعل التطاول بالمشاعر الى خارج الحدود خيانة بدمغة قومية ودينية.
يغدو كسيحو الوعي نبلاء في معركة الأمة، لأنهم يحمون، زعماً، حصننا المهدّد من الداخل، فيضرمون نيران الطائفية بإيعاز من الوالي، ولكنهم، بقصد أو من دون ذلك بقليل، يقدّمون كرامة الأمة على طبق من ذهب إلى الخارج، حتى دخلت فلسطين، القضية والكرامة، لعبة المفاضلة الهابطة، وبتنا نشهد متثاقفين من جلدتنا وهم يضعون مساقط رؤوسهم في مقابل (القدس)، بغرض (تضئيل) شأن القضية الفلسطينية، رمز كرامة هذه الأمة.
في مثل هذا الجنوح الأخرق، يتحسّس بعض منا من فضيلة الحماقة، ولكنهم يلوون رؤوسهم بإنكار عاجز أمام حقيقة أن الحماقة لا تتولّد إلا كرد فعل عفوي على الانحطاط السياسي الذي بلغ ذروته لحظة نحر الكرامة الجماعية. وتفسير ذلك، ببساطة، أن جدار الموت، لم يكن سوى تظهير أمين لإرادة عربية رسمية شاملة، ما يجعل رد الفعل من سنخ تلك الإرادة. ولأن عملاً بهذا الجنوح يستوجب موقفاً مناسباً، تصبح الحماقة حقاً مشروعاً. فنحن في زمن يأفل فيه العقل، وتذوي الحنكة والحكمة، ولدينا حكّام يملكون قدرة خارقة على (شيطنة) الملائكة! فلا حدود واضحة لإرادة الانسحاق للخارج، وليس للقابضين بخطام السلطة سوى إبلاغ تعاليم التوجيه لفرق الإغواء لجهة (ثقفنة) الجدار، وتوصيم (شريان الحياة)، لأن سيادة الدولة تعلو على الشعب، وقد يخرج علينا من اندسّ منذ قرون في عباءة أحد سلاطين زماننا ليروي حديثاً غير شريف: من لا جدار له لا دين له!
من يملك جرأة الدخول في (حلبة المقدّس) بصفاقة، هو نفسه من يحرم القانع والمعتر من (حق الحياة)، ويساوم سكّان القطاع على كرامتهم. لم يوضع حجر على حجر في غزة بعد دمارها العام الماضي، لأن مسلسل الضغوطات والمقايضات متواصل، فعروبة فلسطين تتوقف في أجندة الاعتدال العربي على استسلامها.
حين طالب قادة قافلة (شريان الحياة) بالعبور الى غزّة، أوقدوا شمعة في درب الساخطين على مهاترات النظام الدولي، وحين التحموا مع (جدار الموت)، وضعوا المساحة المفتوحة من المحيط الى الخليج في أتون امتحان الكرامة، وكانوا يدركون بأن السخط العارم الذي أوقدوا شرارته كان بمثابة شرط لازم لعودة الروح إلى الجسد المثخن بأشكال شتى من الطعنات الثقافية والنفسية والاقتصادية والأمنية... لقد نسي بعض منا في هذا الوطن الكبير موضع آلة التفكير، ولا كيف يجب أن يكونه، قبل الإقدام على فعل ريادي، أو مبادرة من أي نوع، فأسلحة (التيئيس) الشامل تركت مخلفاتها في منابع الشعور، حتى صار المرء يندفع غريزياً نحو كل ما ينأى به عن خطر متخيّل، بما يفضي به إلى الخضوع لإملاءات نفسية أو فكرية قاهرة في الداخل أو يوقعه تحت تأثير سلطة إكراهية في الخارج. هو نفس الدافع الذي ينزع بكثيرين للتعويض عن الفعل بالثرثرة أو ما يدعى في لغتنا الجميلة بـ(البرقلة)، المأخوذة من البرق الذي لا يعقبه مطر. إزاء جدلية مغلقة كهذه، وضعت القافلة إرادة الأمة ووعيها وجهاً لوجه مع (جدار الموت) باعتباره ترميزاً وفيّاً للعقل العربي الرسمي.
بعد مرور عام على حفلة (تجثيث) في غزة الباسلة، حيث كان مشهد الدماء النازفة من أجساد الأطفال والنساء يغمر فضائيات العالم، كان ولاتنا السياديون (يقفون على مسافة واحدة) من جميع المقابر الغزّاوية، بانتظار استكمال العدوان الإسرائيلي لمهمته الدموية، تمهيداً للسلام العادل والشامل! ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، نقرأ نصوصاً صحافية فاجرة وكأنها جزء من (الإعلام الحربي) الاسرائيلي، مليئة بعبارات التحريض على قتل سكّان القطاع، ويحسبون ذلك قول الحق الذي فيه يمترون! وسمعنا حينذاك أيضاً فتاوى تحرّم التظاهر من أجل غزة وتصفها بـ(الغوغاء)، كما انبرى السياديون في دول الاعتدال لتقديم جرعة ثقافية مكثّفة في النضال القومي، بتوليد (الفوبيات) المصنّعة أميركياً وإسرائيلياً..وعربياً.
قبل عام، تحقّقت كل شروط الغلبة لدى الإسرائيلي: حصار عربي، واصطفاف دولي، ودعم إعلامي وعسكري وسياسي مطلق (بمشاركة الاعتدال العربي) ومشاغلات طائفية داخلية، ولكن غزّة صمدت، فانتصرت. ولو كانت النتيجة غير ذلك، لما كان للجدار جدوى، ولا للسيادة المحمولة على حصار القطاع جدارة. بطبيعة الحال، يبقى للسفسطائية العابثة كلمة أيضاً، فثمة رجال عاهدوا الشيطان على أن يقلبوا ظهر المجنّ لكل ما هو جليل، لتشويه وجه (المقاومة) في فلسطين كما في لبنان. ولم تختم المؤامرة على غزّة فصولها، فقد تقاسم المعتدلون مهمة وأدها، فجهة تحاصر وأخرى تقتل، وثالثة تدفن، ورابعة تخفي آثار الجريمة.
أقسى من موت الأمة أن تعيش مواتاً بأشكال شتى... وبعد أن دخل الجدار في قائمة أسباب الموت الجماعي، صارت له فلسفة، وتشريعات خاصة. ولمن سأل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل عن عروبة القضية الفلسطينية، نسأل، في المقابل، عن عروبة الجدار، والحصار، والدمار.

* باحث سعودي في الفكر السياسي مقيم في لندن

 
 
 
 
 

 

 إكتب تعليقك 

 
البريد الإلكتروني: * الإسم *
التعليق: *
 
 
 
 
 

Developed by:
Bab-alBahrain.com

جميع الحقوق محفوظه © 2012
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro