جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - رفقا بالمواطن كي لا يكفر بالبرلمان

English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

رفقا بالمواطن كي لا يكفر بالبرلمان
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-02-05 08:41:08


«تفجرت الأوضاع في نهـاية الجلـسة بعـد أن تقـدمت كتـلة الوفـاق بطـلب لعقد جلسات استثنائية أسبوعية، واستنكر النائب الشيخ جاسم السعيدي الطلب قائلا إن النواب مقدمي الاقتراح السبعة سيكونون أول من يغيب عن الجلـسة، وأنا لن أحضر إلا إذا تعهدوا بالحضور. وهنا طلب النائب محمد المزعل الكلمة، ليرد على السعيدي قائلا: أحد النواب تهجم على مقدمي المقترح، وقال إن هؤلاء السبعة لن يحضروا، ومطلوب من معاليكم حذف هذا الكلام من المضبطة (...)، وإلا سيكون لنا موقف لا تحمد عقباه وأنا أولهم، أرجوك ضع حدا لهذا الموضوع، والوقت قد انتهى وحان الوقت لاتخاذ ذلك من إمام الفتنة في هذا البلد».
هذا مقطع تناقلته الصحف المحلية في تغطيتها لجلسة البرلمان يوم الثلثاء الموافق 2 فبراير/ شباط 2009، بشأن «حوار» بين نائبين، بالطبع ذهبت بعض الصحف إلى أبعد من ذلك، وأوصلت الخلاف إلى مستوى التهديد بالضرب.
من الخطأ حصر هذه المشادة في نطاق النائبين «المتبارزين»، فهما في نهاية المطاف، ودون أية إضافات صناعية تجميلية، يعبران عن تكتلين (ليس كتلتين) داخل المجلس، يتمترس كل منهما خلف طائفته التي يتوهم أنه يدافع عن مصالحها، وتتوهم أنه يمثلها.
هذا التكتل تلاشت من أولويات برامجه - اعترف بذلك أنكر - القضايا الكبرى، كي تأخذ مكانها، وهو أمر يحز في النفس، المسائل الصغرى.
هذا التحول في الأولويات فتح أبواب البرلمان على مصراعيها أمام رجال الحرس القديم الذين نجح بقاياهم، شاء النائبان أم أبيا، في إيصال المجلس إلى الانقسام العمودي القائم على خلفية طائفية بشعة، ضمنت شل حركته أمام المنعطفات الحادة من جهة، وتشويه صورته في عين المواطن من جهة ثانية.
ومراجعة سريعة لمضابط جلسات برلمان 2006، تشهد بوضوح على ذلك. وبالتالي، فليست المشادة الأخيرة سوى إحدى صور تلك المنعطفات التي وقف البرلمان أمامها مشلولا، فبدت صورته على نحو مغاير لتلك التي يحلم ذلك المواطن أن يراه عليها.
أناشد النائبين الفاضلين، وبصدق، أن يخرجا من قاعة البرلمان، ويضعا نفسيهما مكان المواطن الذي صوت لأي منهما، كي يريا صورتهما، عندما «تلاسنا»، على حقيقتها، سواء في الأجهزة الإعلامية، أو في ذهنية المواطن ذاته.
كيف سيسامح هذا المواطن نفسه عندما أباح لها بأن تضع ثقتها في هذا النائب دون سواه، لأنه الوحيد، بناء على تلك الثقة، الذي يستحق ذلك الصوت، ولأنه - أي النائب - الوحيد الذي أقسم، بينه وبين نفسه على أقل تقدير، أنه سيسخر كل طاقاته من أجل التصدي للقضايا الكبرى التي تحمي المواطن وتدافع عن الوطن.
ليس هنا مجال الدخول في تفاصيل ما جرى بين سعادة النائبين، والانتصار لموقف أحدهما على الآخر، فكلاهما خاسر عندما يكون مقياس النجاح مختلفا كل الاختلاف عن المعايير الطائفية، أو النزوات الفردية.
مقياس النجاح كما يراه المواطن العادي، هو خطوات تعزيز التشريعات المتقدمة التي تساعد المجتمع على اختزال زمن دورة التحول، دون حرق غير مبرر للمراحل، من مجتمع تمزقه الصراعات الطائفية، أو تعيق حركته السلوكيات القبلية، إلى آخر متطور تسيره القوانين المعاصرة، بآليتها المدنية.
من أجل ذلك يتوقع المواطن من نوابه الأفاضل، أتهم بدلا من الانجرار، بعد أن تتمزق صفوفهم، نحو المعارك الثانوية، أو الدخول في حروب، حتى وإن كانت كلامية، بين بعضهم البعض، أن يتجهوا، عوضا عن ذلك، نحو القضايا المصيرية الكبرى، ذات العلاقة بالتشريع والمراقبة.
لا يريد المواطن أن ينهك قواه بحثا عمن بدأ عملية «الشجار»، أو أشعل فتيل «التلاسن»، فجميعها تتحول إلى قضايا ثانوية، بل وقزمة أمام الأهداف التي من أجلها أدلى المواطن بصوته أولا، والآمال التي يعلقها على من نالوا ثقته ثانيا. فالقضايا الذاتية تصبح ثانوية وليست ذات بال عندما تقارن بتلك الجوهرية التي تقع في صلب مهام البرلمان والتي هي: التشريع، المراقب، حماية المواطن.
نلفت نظر النائبين الكريمين إلى ضرورة أن يدركا أن البرلمان برمته، إنما جاء ثمنا لتضحيات قدمها ذلك المواطن على امتداد عشرات السنين، عبر نضالات لم تتوقف، ويبدأ تاريخها المعاصر منذ انتفاضة هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات من القرن الماضي، مرورا بانتفاضة مارس/ آذار 1965 المجيدة، انتهاء بأحداث التسعينيات من القرن ذاته.
شريط طويل من المعارك السياسية والدامية خاضها المواطن ضد جرائم الوجود البريطاني، ومواد قانون أمن الدولة... إلخ، توج كل ذلك بمشروع إصلاحي ألقى من على كاهل ذلك المواطن الكثير من أشكال القمع التي كان يئن تحتها.
استبشر ذلك المواطن كل خير، ووضع ثقته في النواب الذين اختارهم بمحض إرادته التي تصدت للكثير من الضغوط التي مارستها عليه أجهزة حرس الدولة القديم، الذين رأوا في الميثاق تهديدا مباشرا لسطوتهم، وبوابة واسعة لولوج عالم جديد واعد بأشكال أفضل للعمل السياسي العلني.
لكن ذلك المواطن لم ينعم كثيرا بما حققته نضالاته، حيث بدأت الكثير من أمراض المجتمع القديم تتسرب إلى ردهات مجلس النواب، وفي مقدمتها وباء الطائفية البغيض وفيروساتها الخبيثة.
الخوف كل الخوف أن يتحول البرلمان - لا قدر الله - إلى مستنقع طائفي، بدلا من أن يكون السلاح الأمضى في وجه الطائفية.
والخشية كل الخشية هنا أن يقود ذلك إلى كفر المواطن بالبرلمان والعمل الديمقراطي، كي يجد أفراد الحرس القديم بانتظاره والذي لن يترددوا في أن يأخذوه من جديد إلى زنازن قانون أمن الدولة وحجر تعذيب معتقلات ذلك القانون.

الوسط - 5 فبراير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro