English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لكي نتعلّم: رؤية من الداخل للمجلس الدستوري الفرنسي
القسم : سياسي

| |
النهار 2010-02-23 07:13:16


لا تعكس مقاربة عالمة الاجتماع دومينيك شنابر تجربتها على مدى 9 سنوات كعضو في المجلس الدستوري الفرنسي خصوصية تلك المؤسسة المهمة في الديموقراطية الفرنسية وضوابطها ومعاييرها فحسب بل الاهم الذي نحتاج الى تعلمه هو مستوى المقاربة، في معزل عن مضمون آرائها، ودرجةُ الالتزام الموضوعي في "أخذ المسافة"... التي تغيب عادة في تجارب العالم الثالث على هذا الصعيد. هنا ترجمة للحوار الذي اجراه في "لوموند" جيرار كورتوا ونيكول لاويل وترجمته نسرين ناضر... علنا نتعلم بجدية؟! / "قضايا النهار" 
 
دومينيك شنابر: "المجلس الدستوري مؤسسة لا تزال هشّة" 
• أنت عالمة اجتماع وعضو في المجلس الدستوري منذ تسعة أعوام. إنها تجربة فريدة. ماذا حقّقت لك؟
- في الواقع، إنها المرة الأولى التي يضم فيها المجلس الدستوري اختصاصياً في علم الاجتماع. إنها تجربة غنية جداً، وقد علّمتني الكثير حول المحاكم الدستورية وطريقة عملها وأحكامها والمنظومات السياسية التي تندرج في إطارها. بذلت مجهوداً كبيراً في بداية ولايتي كي أتعلّم دوري كمستشارة. لكن هذه ليست حالي أنا وحدي. إذا لم يأتِ المستشارون الجدد من مجلس الدولة أو يكونوا قانونيين محترفين، فهم لا يكونون معتادين دائماً على التطرّق إلى المشكلات السياسية من هذه الزاوية؛ هم أيضاً بحاجة إلى التعلّم.
• لكن يبدو أنك بقيت في منصب هامشي بعض الشيء...
- بعد تجاوز مرحلة التعلّم، شعرت أنني الوحيدة التي أعيش الأمور عن مسافة معيّنة. هذا لا يلغي شيئاً من إرادتي في أن أكون جديرة بالمؤسسة، ومن احترامي لها، ومن المتعة التي شعرت بها عند ممارستي هذه الوظيفة. فضلاً عن ذلك، إذا كانت ظروف العمل في المجلس تبدو متواضعة في معظم الأحيان بالنسبة إلى المسؤولين السياسيين السابقين، إنها استثنائية بالنسبة إلى شخص جامعي.
• هل العضوية في مؤسسة من هذا النوع هي السبيل الوحيد لفهمها؟
- في مختلف الأحوال، تمنح العضوية نظرة فريدة لا يمكن امتلاكها من خارج المجلس. محاضر الجلسات المنعقدة بكامل هيئة المجلس – آثار النشاط الذي يقوم به والتي ستبقى للمؤرّخين – ليست سوى الجزء الذي يظهر من جبل الجليد. الأمور الجوهرية تحدث خلال مرحلة الإعداد الجماعي للقرار، مثلاً خلال النقاش الحضوري بين المجلس (أمينه العام ومقرِّر القرار والأعضاء الآخرين الذين يشاركون في الاجتماع منذ سنوات) والأمانة العامة للحكومة. في هذا النقاش، تجري المقارنة بين الدوافع المذكورة في الإحالة وأجوبة السلطة التنفيذية.
ما يصل إلينا من هذا النقاش هو الحجج القانونية التي تُنشَر في الجريدة الرسمية ويمكن الاطلاع عليها على موقع المجلس الإلكتروني. لكن هذا لا يتيح تحسّس نكهة النقاش والاطلاع على الإحاطات الضمنية والحجج المختارة. لا يترك هذا النقاش أثراً ملموساً. لكن ذلك لا يبرّر ما يُشاع عن أن غموضاً لا بل عشوائية تحيط بعمل المجلس.
• يُلام المجلس على هذا الانعدام للشفافية. ما رأيك؟
- إنه انتقاد مجحف. سرّية المداولات فُرِضت منذ البداية بموجب القانون الأساسي الصادر عام 1958. لكن في هذا المجال بالذات، المجلس هو الأكثر انفتاحاً بين المؤسسات الفرنسية. تُنشَر المحاضر بعد خمسة وعشرين عاماً. ينشر المجلس عدداً من الوثائق أكبر بكثير من ذاك الذي تنشره محكمة التمييز التي تحرق أوراق مستشاريها، أو مجلس الدولة الذي لا يحتفظ بما يدوّنه أعضاؤه إلا ليطّلع عليه أعضاؤه المستقبليون ولا يسمح للباحثين بالاطلاع عليه. من الغريب مطالبة المؤسسة الأحدث عهداً والأكثر هشاشة بنشر مداولاتها، في حين أن التقليد الفرنسي لا يفرض ذلك على السلطات القضائية العليا ولا يثير هذا الأمر اعتراض أحد.
• لماذا هذا الاختلاف في المواقف؟
- إنها مؤسسة حديثة العهد – عمرها نصف قرن – ذات وضع هجين ولم تُثبَت بعد شرعيتها كما يجب. كما يوحي اسمه، إنه مجلس وليس محكمة، حتى ولو كان قد اقترب تدريجاً من نموذج المحكمة. إذا قارنّاه مع المحاكم الأوروبية الأخرى، ولا سيما محكمة كارلسروه في ألمانيا، التأخّر واضح.
• كيف تفسّرين هذه الهشاشة؟
- يمكنني أن أحلّل فقط المجلس الذي عرفته، أي بين 2001 و2010، قبل تطبيق المراجعة الدستورية لعام 2008 اعتباراً من الربيع المقبل. من الواضح أن هشاشة المؤسسة سببها الطريقة التي انطلقت بها. ففي البداية، كان المجلس، وهذه سمة مميِّزة، عبارة عن نادٍ صغير من وجهاء القوم أو المسؤولين السياسيين المتقاعدين أو الذين يستعدون للتقاعد، والذين كانوا يُعيَّنون بطريقة استنسابية من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ، من دون تدخّل النواب ولا نقاش عام. وجود رؤساء الجمهورية السابقين حكماً في المجلس يُظهِر هذه النية لدى مؤسسي المجلس عام 1958. علاوةً على ذلك، المجلس هو المحكمة الدستورية الوحيدة التي لا يخضع أعضاؤها لأي شرط يفرض توافر الكفاءة القانونية. أما رئيسه فيعيّنه رئيس الدولة بطريقة استنسابية أيضاً.
غير أن نقطة الضعف الأساسية تنبع من محدودية سلطاته، وتالياً محدودية دوره. فقبل كل شيء، لا يملك المجلس حق أخذ المبادرة للنظر في نص قانون ما؛ بل هو رهن بالإحالة التي ترفعها إليه السلطات السياسية والتي تتمثّل في معظم الأحيان بنواب المعارضة منذ الإصلاح عام 1974. يعني هذا أن السيطرة على دستورية القوانين لا تزال محدودة جداً: فوفقاً لبعض الحسابات، يقال إنها تُمارَس على 7 في المئة فقط من القوانين التي أُقرَّت منذ عام 1958. فضلاً عن ذلك، عند رفع القوانين إليه، يدقّق فيها مسبقاً قبل إقرارها، أي قبل التمكّن من تقويم مفاعيلها، في حين أن المحاكم الدستورية الأخرى تمارس الرقابة بعد إقرار القوانين. أخيراً، وبما أنه يتدخّل قبل إقرار القوانين، فهو ملزم بأن يصدر قراره في مهلة أقصاها شهر واحد.
• إنها قصيرة جداً؟
- إنها قصيرة جداً. لنأخذ على سبيل المثال قانوناً لتصديق مرسوم لتعديل قانون العمل. لا يمكن مراجعة قانون العمل بكامله في شهر واحد. إذاً يجري التحقق من أن الآلية تمت كما يجب، ويتم التدقيق في بعض النقاط، لكن ليس هناك وقت لإجراء تدقيق معمّق. في نهاية السنة، عندما يتضمن نص ما أحكاماً يجب أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني، يفرض احترام القوانين اتخاذ خطوات تعجيزية أحياناً. أتذكّر قانوناً اجتماعياً أحيل إلى المجلس وتمت مناقشته مع أمين عام الحكومة في عصر اليوم نفسه. ثمة خطر حتماً بأن تمر أمور من دون التنبّه إليها. كل هذه المقتضيات تجعل من المجلس الدستوري "كائناً غريباً"، بحسب عبارة جورج فيديل.
• هل هذه الغرابة هي التي تفسّر افتقار المجلس إلى الشرعية؟
- قدرته الكلّية هي أسطورة. لقد اكتسب شيئاً فشيئاً استقلالاً محترماً. لكن مع كثير من الحذر. قال لنا أحد الرؤساء الذين عرفتهم ذات يوم "انتبهوا، لقد استنفدنا حصتنا من الطعون!" وعنى بذلك أننا لفظنا في الفترة السابقة الحد الأقصى من الطعون أو التحفظات التي تقبلها السلطة السياسية. يكشف هذا الكلام الحدود السياسية للمجلس.
• مع مرور الوقت، ألم تطوّر المؤسسة مناعة ضد الانتقادات؟
- من الطبيعي جداً أن يتعرّض قرار صادر عن المجلس الدستوري للانتقاد، فهذه هي الديموقراطية. لكن كلما أثار قرار ما جدلاً حاداً، لا يتعرض القرار فقط للانتقاد إنما أيضاً المجلس الذي يجري التشكيك فيه، وفي آلية التعيينات، وطريقة عمله، وأحكامه، وأحياناً في وجوده. في المقابل، أقل ما يقال عن سلوك مجلس الدولة في ظل فيشي هو أنه كان مؤسفاً واتّخذ قرارات مثيرة للصدمة، من دون أن يشكّك أحد في شرعيته.
يلوم البعض المجلس لأنه لا ينشر "الآراء المعارِضة" التي يتم التعبير عنها عند النظر في نص معين. لكن لا أحد يفكّر في طلب الشيء نفسه من محكمة التمييز مثلاً التي تُضطر أيضاً إلى اتخاذ قرارات في بعض الأحيان بغالبية ضئيلة جداً.
• لكن الفارق هو أن المجلس يتدخّل في مسائل سياسية أكثر "حماوة"...
- القرارات التي يصدرها المجلس هي بالفعل ذات بعد سياسي، لكنها تستند إلى حجج قانونية، بدءاً بالدستور ومقدّمته التي تشير إلى إعلان حقوق الإنسان لعام 1789، ومقدّمة 1946. إنه خاضع لهذا الموجب القانوني ولأحكامه التي لا يمكن قلبها رأساً على عقب، وإلا يصبح المجلس غير قابل للتوقّع ويخسر كل شرعية. لا يمكنه أن يقول "أبيض" في عام 2002 و"أسود" في عام 2007. لا شك في أن التعديلات الطفيفة في الأحكام ممكنة، لكن يجب أن تكون تدريجية ومستندة إلى أسس صحيحة.
خلافاً لما نسمعه أحياناً، ليس المجلس "غرفة تشريعية ثالثة" ولا "حكومة القضاة". إنه يساهم في تعزيز دولة القانون، لكنه لم يمنع قط حكومة من أن تحكم. فهو لم يمنع التأميمات التي طبّقتها حكومة موروي عام 1982 ولا الخصخصات التي نفّذتها حكومة بالادور عام 1986؛ بل عمد فقط إلى تصحيح طرائق تطبيقها.
• ألم يعطّل المجلس طوال سنوات تطبيق التكافؤ بين النساء والرجال؟
- هذا صائب، وله أسباب قانونية واضحة. في هذه الحالات، الحل بسيط: إذا أرادت السلطة السياسية أن تمضي قدماً، عليها مراجعة الدستور؛ هذا ما حصل في موضوع التكافؤ. يستطيع المجلس فقط أن يكبح الحكومة. لا شك في أن لهذا التأخير تداعيات سياسية، لا سيما أن المجلس يتدخّل عندما تكون الأمور محتدمة، أي بعد نقاش طويل في البرلمان وفي أوساط الرأي العام. لكننا نميل إلى المبالغة في تعظيم التأثير الذي تمارسه قراراته.
• كيف يتعامل أعضاء المجلس مع هذه الانتقادات؟
- ليس هناك "جسم" في المجلس الدستوري، كما هي الحال في الإدارة العليا والقضاء. المجلس هو مؤسسة ينضم إليها الأشخاص في نهاية مسيرتهم المهنية في معظم الأحيان. وهذا ينطبق على السياسيين كما على القانونيين، مما يشرح الانفصال النسبي، ولا سيما لدى السياسيين الذين يتحفّظون في غالبيتهم لا بل يعارضون أي فكرة لتوسيع صلاحيات المجلس. بين المستشارين الذين عرفتهم خلال ولايتي، هناك عدد قليل جداً يؤيّد تعزيز دور المجلس. كما أن غالبية رؤساء المجلس الدستوري أظهروا الكثير من التحفّظ. يشكّل روبير بادينتر استثناء، ويبدو جان-لوي دوبري مصمّماً على حمل الشعلة من جديد. في الواقع، فرض المجلس نفسه شيئاً فشيئاً في وجه العالم السياسي، إنما أيضاً، وهذه مفارقة، في وجه أعضائه.
• لكن الإصلاح الذي يشهده حالياً لم يهبط من السماء؟
- دينامية دولة القانون والدواعي التي تقتضيها الديموقراطية وكذلك منطق المؤسسات هي التي فرضت نفسها رغماً عن الفاعلين في هذا المجال. هذا بالإضافة إلى الدور الذي اضطلع به جان-لوي دوبري والتأثير الضمني للمحاكم الأوروبية الأخرى والنموذج الذي تقدّمه. لكن من الخطأ التوهّم بأن المجلس أراد أن يضخّم أهميته. الواقع أكثر التباساً بكثير. يبقى أنه يمكن أن يشكّل هذا الإصلاح إنجازاً كبيراً: فكما في المحاكم الأخرى، سيصبح بالإمكان أن يتلقّى المجلس إحالات من المواطنين، كما أنه يحصل على سلطة التدقيق في القانون بعد إقراره. سوف يمنحه ذلك سلاح الوقت. ولكن يتعين أيضاً على محكمة التمييز ومجلس الدولة – اللذين سيكونان بمثابة الدائرة الابتدائية قبل رفع القضية إلى المجلس الدستوري – أن يؤدّيا دورهما في هذا السياق.
• وماذا تقصدين بذلك؟
- أقصد أن هاتين السلطتين القضائيتين لا تحيلان إليه سوى ملفات واضحة حيث يكون القرار بديهياً. أم أنهما لا تحيلان إليه سوى القليل من القضايا، وتقلّصان إلى أدنى حد الدور النهائي للقاضي الدستوري. لقد أكّد رؤساؤهما استعدادهم لاحترام إرادة المجلس الدستوري والقيام بدورهم.
• يتعلق الإجراء الجديد الآخر بتعيينات أعضاء المجلس الذين سيخضعون في المستقبل للتدقيق من لجان برلمانية مختصة. هل هذا أمر جيد؟
- عندما يمر المرشحون المقترحون تحت المجهر العام للهيئات التشريعية، يمكننا أن نأمل فعلاً بتجنّب التعيينات الفضائحية التي تمت في السابق. هذا تقدّم بالتأكيد.
• لن يلغي ذلك الشكوك بشأن التسييس. حالياً، كل أعضاء المجلس تقريباً قريبون من اليمين إلى حد ما. هل هذا طبيعي؟
- يقال إن جاك شيراك حاول أن يعيّن عام 2007 شخصية من المعارضة، لكنها رفضت. في كل مرة يتم فيها تعيين أعضاء جدد، يجب مراعاة قاعدة غير مدوَّنة بعدم تعيين ثلاثة أشخاص من المعسكر السياسي نفسه. سيكون هذا جيداً لصورة المجلس ولسلطته المعنوية.
• كيف يعكس تطوّر المجلس المفهوم الفرنسي للسياسة؟
- وُلدت الحداثة السياسية من الثورة ومن الدور الأساسي للجمعية الوطنية. وقد ظل التقليد الفرنسي منطبعاً بهذا الفعل المؤسِّس. كل ما يطرح شكوكاً حول الجمعية الوطنية – التي تقترن أسطورياً مع فكرة "الشعب السيّد" – لا يزال يثير الريبة والحذر. من هنا هشاشة المجلس الدستوري الذي يضفي منطقاً مختلفاً على النظرة إلى الديموقراطية.

(دومينيك شنابر عالمة اجتماعية. مديرة الدراسات في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وعضو في المجلس الدستوري. صدر لها لدى غاليمار Qu’est-ce que la citoyenneté? (ما هي المواطنة؟) (2000)، Qu’est-ce que l’intégration? (ما هو الاندماج؟) (2007) وUne Sociologue au Conseil constitutionnel (عالمة اجتماع في المجلس الدستوري) (في المكتبات اعتباراً من 11 آذار المقبل).

قضايا النهار

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro