جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - حكايات من ذاكرة الوطن... في ذكرى 5 مارس

English

 الكاتب:

عبدالله مطيويع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حكايات من ذاكرة الوطن... في ذكرى 5 مارس
القسم : سياسي

| |
عبدالله مطيويع 2010-03-06 10:41:15


بعد الإجهاز على هيئة الاتحاد الوطني ومحاكمتهم في مركز شرطة البديع في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1956، صدر الحكم في تلك المحكمة بالسجن لمدة عشر سنوات على إبراهيم محمد حسن فخرو، إبراهيم بن موسى؛ و14 سنة مع النفي إلى جزيرة سانت هيلانة على عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز سعد الشملان وعبدعلي العليوات؛ وعلى السيد علي كمال الدين بالنفي 14 سنة الى العراق.
وفي العام 1956 وبعد الإجهاز على انتفاضة مارس/ آذار 1965 وبروز نشاط المنظمات السرية (جبهة التحرير الوطني البحرينية وحركة القوميين العرب)، فرض جهاز الأمن رقابة شديدة على بيع واستيراد جميع أدوات الطباعة، كالآلة الكاتبة وآلة النسخ (الستانسل)، فقام بالتنسيق مع تجار وموردي أجهزة الطباعة والنسخ بوضع إشارة سرية خفية في أحد أحرف آلة الكتابة، بحيث إذا اقتضى معرفة صاحب الآلة التي طبعت المنشور، يتم التعرف عليه من خلال الإشارة السرية الملحقة بأحد الحروف كمقطع آخر حرف الراء أو الدال، أو أيٍّ من حروف العلة (VOWEL LETTER). وبذلك أحكمت وزارة الداخلية معرفة كل من ابتاع آلة كاتبة، وطبع عليها منشورا ضد الإنجليز أو السلطة الحاكمة.
كنا يومها في جبهة تحرير الخليج (محمد جابر، علي ربيعة، محمد بونفور، علي مطر، سلمان مطر) وعضوية بقية خلايا التنظيم (عبدالله مطيويع، عبدالرحمن عثمان، عبدالوهاب أمين، نبيل المحميد، محمد عبدالرحمن البلوشي، يوسف، وعبدالله جكيم، قاسم حداد، ابراهيم غانم وعدد من الأنصار). وكان الشهيد محمد بونفور الأبرز في قيادة التنظيم من الجانب العملي، وفيما بعد المسئول التنظيمي للجبهة الشعبية في البحرين، لقدرته وكفاءته التنظيمية المبكرة، إذ يعرف كيف يوزع المهام التنظيمية، وقد قمنا سويا بعمليات فيها من الجرأة والمجازفة والسرية ما يبعث على الدهشة الآن. ولو سألني أحد اليوم كيف قمت بهذه المجازفات؟ لأجبته: إنه الجنون بحب الوطن والشعب. جنون الأحلام التي كانت أكبر من رؤوس حامليها الحالمين. حلم تحرير الخليج العربي كله وتوحيده من الكويت حتى رأس مسندم (ضربة علي) من عُمان.
كانت تلك مرحلة الاجتماع الموسع لعناصر جبهة تحرير الخليج والحركة الثورية المتداخلة بسبب منشئهما العروبي (حركة القوميين العرب) اللتين تم دمجهما في جبهة واحدة بعد فبراير/ شباط 1970.
المناضل إبراهيم سند (الجمس) والذي خاطبني من الدوحة بعد أن قرأ ما نشرته «الديمقراطي» لسان حال «وعد» عن الاجتماع الموسع، صحّح لي بعض المعلومات، بشأن وجود اجتماعات ثنائية وثلاثية قبيل الاجتماع الموسع، دعا لها مع أحمد حارب من أجل توحيد القوى السياسية التي برزت بعد انتفاضة مارس 1965.
كان المؤتمرون في الاجتماع الموسع في المحرق هم محمد بونفور، محمد جابر، سلمان مطر، علي ربيعة، أحمد حارب، سالم سلطان، وحيد الشعلة، قاسم حداد، علي مطر، عبدالله مطيويع. واستمر الاجتماع ثلاثة أيام، في اليوم الأول احتدم النقاش حول هدف الاجتماع المتمثل في توحيد القوى الوطنية في الجبهة، أما الطرف الثالث المقرر حضوره، جبهة تحرير شرقي الجزيرة العربية (عوض عبد اليماني، أحمد قاسم، حسين قاسم) فقد وجهت لهم السلطة ضربة قاصمة، وتمت محاكمتهم، (اليماني 3 سنوات وأحمد قاسم 5 سنوات).
في اليوم الأول اصطدم محمد جابر صباح (جبهة تحرير الخليج) مع قاسم حداد، حول عبارة عابرة، وكان ممكنا الحوار حولها والوصول الى حل غير الانسحاب من الاجتماع الهام الذي حدد ملامح الوعي السياسي للمنظمات السياسية في البحرين، فقامت قائمة محمد جابر وأعلن انسحابه من الاجتماع وأيده في ذلك علي ربيعة وسلمان مطر.
يقول علي مطر، وكان يومها في بيروت ويعمل كحلقة وصل مع إحدى المنظمات الفلسطينية التي قامت بتدريب عدد من كوادر جبهة تحرير الخليج على السلاح، وكانوا على اتصال مع جماعة صلاح جديد قبل أن ينقلب عليه حافظ الأسد، ويسحبه ويقصى كل من كان يتعامل معه من الخليج والجزيرة العربية بمن فيهم عبدالعزيز الشملان الذي كان بيته في الصالحية مخبئا لأحد رؤساء الانقلابات في سورية. وهذا أحد الأدلة على ثقة جماعة الزعيم في البحرين، إنهم أوفياء ولا يخونون من يلتجئ إليهم في الملمات والوقت العصيب.
الاجتماع استمر ثلاثة أيام، ولا أملك المستندات ولا الأوراق التي نوقشت فيه، فمندوبو الحركة الثورية يومها كانوا من الحضور وأهمهم الشاعر قاسم حداد الذي كان حلقة الوصل والاتصال.
الشهيد محمد بونفور جاء صباح يوم جمعة واصطحبنا هشام الشهابي لنذهب سويا إلى مجلس حركة القوميين العرب (بيت علي ربيعة من فريج الحياك)، الذي خاطبني بقوله: «مطيويع نريد أن تسرق آلة كاتب وستانسل، وهذه تتوافر فقط في المدارس».
لم يحتج الموضوع إلى تفصيل أكثر، فقد كانت عيني منذ زمن على آلتي طباعة ونسخ في مدرسة خالد بن الوليد الواقعة في حينا (فريج ستيشن)، وهي بيت جاسم العمران، إذ كانت وزارة التربية في السبعينيات تستأجر البيوت الكبيرة وتحوّلها إلى مدارس. وكان أحد عناصر جبهة تحرير الخليج يعمل مدرسا في تلك المدرسة. سألني الشهيد محمد بونفور: ما رأيك؟ فأجبته: خلصت السالفة، أي انتهى الموضوع.
في اليوم التالي ذهبت إلى ذلك المدرس وطلبت منه طلبا واحدا فقط: أن نستعير مفاتيح حجرة الطباعة كما تفعل دائما من المدير، (وكان حينها الأستاذ إبراهيم السيد)، فحكّ رأسه لبرهة وقال: ماذا في رأسك؟ قلت: نريد سرقة آلة الطباعة والنسخ.
ردّ عليّ بلطف أخوي صادق: «مطيويع أطلب غير هالطلب»، لأنهم سيقيمون القيامة حال معرفتهم بالسرقة، وسيخضع كل المدرسين للتحقيق. وبدوري حككت رأسي وقلت: «حسنا يا عبدالله، لكننا سوف نسطو على المدرسة لأننا بحاجة لأدوات طباعة لطباعة المناشير».
افترقنا لبضعة أيام، وأخبرت الشهيد بونفور بما حصل واقترحت عليه أن نتدبر الأمر بطريقة أخرى، فأنا أعرف هذا البيت (المدرسة) غرفة غرفة، فقد كنت صديقا لمحمد جاسم العمران ولعبنا سويا في هذا البيت، والمسألة لا تحتاج لعناء كثير. فسألني بونفور: كيف؟ فأجبته: أتسلق أنا عمود الكهرباء الملاصق لجدار المدرسة، ومن سطحها أنزل إلى الطابق الأسفل وأفتح الباب الرئيسي من الداخل، وتدخل أنت والبقية عليك.
سألني كيف سننقل الآلتين؟ فأجبته: بالسيارة! كنت أملك سيارة (هيلمن)، لكني سأستأجر إحدى سيارات الإيجار من فريج الجامع بالمنامة، وننقل بها ما سنأخذه وأعيد السيارة في اليوم التالي. وفي ليلة قمرية كان أربعة من شباب المحرق نذروا أنفسهم للوطن، يتسللون إلى زقاق مدرسة خالد بن الوليد في فريج محطة السيارات القديمة (بونفور، مطيويع، منعم الشيراوي وإبراهيم الغانم). وتقتضي الخطة أن يراقب الغانم الزقاق من دكان محمد مناره إلى بيت محمد عبيدان، والشيراوي في سيارة الأوستن المستأجرة، وتسلقت عمود الكهرباء بخفة «النسناس»، كما كان يعيرني لاحقا بونفور أمام الرفاق وقت المزاح.
وصلت السطح ونزلت للطابق الأرضي وفتحت الباب من الداخل، دخل بونفور وأغلقت الباب، كانت عدتنا مطرقة ومجموعة من المفاتيح لم تلفح بفتح الباب. وطلب بونفور التراجع عن الباب، وكان الوقت يمضي كما الدهر. تراجع حينها خطوات لخلف واندفع بقوة برجله ليلقي بباب غرفة الآلات على الأرض. وسرعان ما فررنا بالغنيمة بعدما لففناها في بطانية. وفي الطريق إلى السيارة قهقه بونفور بصوت خافت: «يا مطيويع هذي (المره) المرأة التي نحملها على من سنزفها؟ تشبيها للعروس التي تُحمل لزوجها ليلة الزفاف.
لم أتمالك نفسي فضحكت ضحكة مجلجلة أربكت سكون تلك الليلة. فوضع بونفور يده على فمي ليكتم قهقهاتي العفوية العالية، لأنها ربما كانت ستكشف الذين سرقوا تلك الآلات في ذاك الليل البهيم في زقاق المحرق القديمة.

الوسط - 6 مارس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro