English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الإرهاب... لغز القانون وأحجية السياسة (2)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-03-20 08:30:21


نجحت المؤسسة الإعلامية الدولية في غرس صورة واحدة للإرهاب في ذهنية المواطن العربي، وتلك هي التي تتمحور حول أشكال مختلفة من العنف، مصدره نزاعات تكون في أغلبها ذات طابع سياسي. وكرست كل قواها، من أجل إلصاق تهمة «الإرهاب» بالقوى الوطنية المناهضة لأشكال التسلط، بكل أشكاله العالمية التي تمارسها الدول المعتدية، أو الداخلية التي تنفذها الحكومات المحلية. حقيقة الأمر مغايرة لذلك، مما يستدعي ضرورة تسليط الضوء على الأنواع المختلفة من «الإرهاب». ولكي تكون الصورة كاملة، لابد من أن يسبق ذلك تحديد الأسباب التي تولد هذه الظاهرة، والتي يمكن حصر أهمها، في التاريخ الإنساني المعاصر، في البنود التالية:
1. الاستعمار، فقد مارس الاستعمار بأشكال المختلفة التقليدية والجديدة، بما يشمل أيضا دول الكتلة السوفياتية قبل انهيارها، دورا مباشرا في تسوية الأرض لبروز ظاهرة الإرهاب، التي تولدت على هامش النضالات الوطنية التي هبت لمقارعة الاستعمار في بلدانها. الحديث هنا يتناول الحالات الطفيلية التي نمت على جسد حركات التحرر الوطني الأصيلة، وشوهت من صور تلك النضالات، فقامت بأعمال إرهابية، بعيدة كل البعد عن الأهداف الوطنية النبيلة التي تشكلت من أجلها حركات التحرر الوطني الديمقراطي في مرحلة مناهضة أشكال الاستعمار كافة، وبلغت قمتها في السبعينيات من القرن الماضي. وكانت هناك بعض تلك الحالات الإرهابية التي لم تكن أصابع المخابرات الأميركية بعيدة عنها.
2. التدخل غير المشروع، العسكري أو الاقتصادي، في البلدان النامية والفقيرة، وأبرز حالات الإرهاب هنا شاهدناها على يد القوات الأميركية في أميركا اللاتينية، والتي امتدت لتصل اليوم إلى العراق وأفغانستان. لا نستثني هنا الإرهاب الذي مارسته القوات السوفياتية عندما زجّت بجيوشها، في أفغانستان أيضا، وجندت آلتها الإعلامية كي تبرر، مثلما تبرر أجهزة الإعلام الأميركية تدخلها في مناطق كثيرة من العالم، تدخلها في أفغانستان. مثل هذا التدخلات الرعناء، تخلق تلقائيا الأرض الخصبة لبروز ظاهرة «الإرهاب». وفي أحيان كثيرة، ولكي تبرر القوى الغازية أشكال الإرهاب ضد حركات التحرر الأصيلة التي تواجهها، تلجأ، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى بناء منظمات إرهابية، ملتصقة بها وتأتمر بأمرها. وتحت ستار مواجهة هذه «المنظمات الإرهابية العميلة»، تصعد القوات الغازية من عملياتها الإرهابية ضد المنظمات الوطنية تلك. يتحول البلد المغزو إلى ضحية شكلين من أشكال الإرهاب، ذلك الذي تمارسه «المنظمات العميلة»، وردة الفعل التي تقوم بها القوات الغازية!
3. الإرهاب الاستيطاني، وأبرز أشكاله ما يجري اليوم تجاه الشعب الفلسطيني، والذي هو امتداد لسياسة إرهابية صهيونية تعود جذورها إلى أكثر من سبعين سنة، عندما دشنت عصابات «الهاجنا» الصهيونية، عملياتها الإرهابية ضد المواطنين الأبرياء في فلسطين. هذا الشكل الفجّ والبدائي من الإرهاب، يولد، وبشكل طبيعي حالة معارضة داخلية تتفرع عنها منظمات إرهابية أكثر تطرفا من تلك التي تولدها حالات التدخل غير المشروع جرّاء سببين، سياسة الاستعمار الاستيطاني العمياء أولا، وطبيعة الأساليب الإرهابية التي يلجأ لها ثانيا. ولاشك أن ما يجري اليوم في فلسطين، هو تجسيد حي لأشكال الإرهاب المحتملة أمام سياسات الاستيطان الهمجية التي يمارسها الكيان الصهيوني.
4. مصادرة حقوق الإنسان وانتهاك حرمة الحريات الأساسية للمواطن، مع ما يواكبها من ممارسات قمعية أخرى تأخذ أشكالا متعددة، تبدأ بحملات الحبس الجماعي وتعرج على جلسات التعذيب، كي تحط الرحال عند أساليب مختلفة تجسد الانتقام وتشجع اللامساواة. تولد هذه السياسة ردة فعل معارضة، تنمو على جسدها أشكالا مختلفة من الإرهاب العنيف. وشكلت البحرين نموذجا حيّا لهذا الشكل من الإرهاب في مرحلة «قانون أمن الدولة»، عندما كانت الزنازن لا تخلو من السجناء السياسيين. أدى ذلك إلى بروز معارضة عنيفة، نمت على هامشها ظواهر إرهابية عشوائية كانت خارج سيطرة تلك المعارضة. ولم يخلُ الأمر هنا من تدخل مخابرات «أمن الدولة»، التي كانت أصابع تدخلاتها واضحة في بعض حوادث الإرهاب التي عرفتها البحرين في مراحل مختلفة من الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الماضي.
5. التمييز بين المواطنين، سواء بسبب العرق أو الانتماء الطائفي، حيث تتشظى الدولة المعنية، نظرا لسياسة حكومتها الداخلية، إلى «كانتونات» طائفية أو عرقية، زرعتها تلك السياسة، وتغذيها يوميا ممارسة أجهزة الدولة التي تنفذها. وتشكل البحرين حالة نموذجية لهذا النوع من التمييز، حيث ما تزال، وإلى يومنا هذا، البحرين بعيدة كل البعد عن «المساواة المواطنية»، التي تضع المواطنين، دون أي استثناء مبني على انحدارهم العائلي، أو جذرهم الطائفي، أو انتمائهم السياسي، أو منطلقاتهم الفكرية. من الطبيعي أن يقود هذا التمييز إلى نزع «الولاء الوطني» من نفوس تلك الفئات المضطهدة، لا لسبب سوى ذلك «الاستثناء». ينجم عن ذلك توتر في العلاقات بين الدولة والمواطن، يؤدي إلى انفجارات عنيفة متكررة، تشكل النواة الصالحة للترويج لسلوك إرهابي، بعيدا عن سيطرة القوى المعارضة الأصيلة التي تناضل من أجل بناء وطن ديمقراطي سليم، يتساوى فيه الجميع أمام سلطة القانون. ويفرح بعض من يراهنون على سياسة «فرق تسد» على نجاح ذلك في تمزيق المعارضة، معتمدين على بعض المكاسب الآنية القصيرة النظر، التي لن تقود في نهاية الأمر إلا إلى نهاية واحدة هي «تقويض المعبد على كل من فيه.
هكذا إذا نرى أن كل ما تحاول آلة الإعلام الأميركية أن «توصمه» بالإرهاب، لا يعدو كونه ردة فعل تلقائية مصدرها سياسة من بيدهم الأمر. وبالتالي فإن نزع فتيل «الإرهاب» يملكه من يقومون بالفعل، لا من تضطرهم الظروف إلى ردة الفعل. وإلى أن نصل إلى ذلك، فمن غير المستبعد أن نشهد حلولا جذرية حقيقة تضع حدّا لظواهر الإرهاب المختلفة.
ومرة أخرى هنا، نحن لا نتحدث عن العنف الذي تضطر إليه حركات التحرر الوطني، وفي حالات استثنائية قوى المعارضة، إنما نشير إلى تلك القوى الطفيلية التي تفرزها سياسات العنف التي أشرنا لها أعلاه.
 
الوسط - 20 مارس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro