English

 الكاتب:

دراسات

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التجربة التربوية لثورة ظفار في سلطنة عمان (1992-1969) 4/4
القسم : سياسي

| |
دراسات 2010-03-23 08:29:58


الوقت - منى جعبوب - قسم الدراسات والتطوير:     .
إن مما يجب الاعتراف به مهما اختلفنا مع الثوار أنهم عملوا جاهدين وصادقين على نشر الثقافة الوطنية، وإذكاء روح المواطنة بين المواطنين، واستبدال حب القبيلة وحب الإقليم وحب الزعيم بحب الوطن والولاء له فقط، بحيث أصبح الوطن لديهم فوق الجميع، وهذه هي روح المواطنة الحقيقية التي عززها الثوار وخدمها الاتجاه الذي قاده السلطان قابوس عند إطلاقه حركة وطنية تنويرية في عُمان بعد انقلاب القصر ووصوله لعرش عُمان في 23 يوليو/ تموز ,1970 ليلقى طرحه الوطني بعد سلسلة من جهود الثوار لتعزيز الروح الوطنية نجاحا شعبيا منقطع النظير.
وفي إطار هذه الثقافة عمل الثوار على تثقيف المواطن وربطه بالحركات الثورية في عُمان والخليج العربي وكذلك بثوار مختلفين في الوطن العربي عن طريق إصداراتهم التي تناقش كالثورة العُمانية 1957-,1959 وتاريخ الحركة الوطنية في الخليج العربي المحتل، ورفضهم للاعتراف باستقلال الإمارات العربية المتحدة، وهم يعتبرون الجزر المحتلة من جانب إيران جزرا عُمانية، وهم معنيون بتحريرها، فقد صدر عنهم في دراسات 9 يونيو/ حزيران تحت عنوان المخططات الإمبريالية واتحاد الشيوخ في ساحل عُمان ''شكل النهوض الجماهيري الذي بدأ مع الاحتلال الإيراني للجزر العُمانية الثلاث في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1971 واستمر طوال العام 1972 علامة بارزة على صعود الحركة الوطنية بقيادة الجبهة الشعبية في شمال عُمان''. (35) 
وهم يفسرون الفجوة بين الأسر الحاكمة والشعب في أنها تكمن في عدم فعالية تلك الأسر وقدرتها على الحفاظ على وحدة الخليج العربية الطبيعية والتاريخية، فيقولون ''هذا التناقض الأساسي بين شعبنا وأعدائه لا يمكن حله بالتعاون مع الأسر الحاكمة، فقد افترقت هذه الأسر الحاكمة عن الشعب منذ زمن طويل، وبالتالي فالرهان عليها رهان خاسر، كمن يصدق أن قلوب المستعمرين بها رحمة .. وليس أمام شعبنا غير توحيد قواه الوطنية والديمقراطية كافة وإقامة أوثق العلاقات مع القوى الوطنية الإيرانية والآسيوية الشريفة كافة التي تعترف بحقوق شعبنا الوطنية والديمقراطية المشروعة، فحيث يقيم الأعداء جبهتهم الرجعية، يجب على القوى الوطنية من مختلف القوميات في منطقة الخليج العربي أن تقيم جبهتها الكفاحية''. (36)
وقد كانت وسائلهم في ذلك هي الوسائل المستخدمة ذاتها في نشر الفكر الماركسي من حيث الاعتماد على الخلايا والحلقات السياسية التثقيفية ودروس محو الأمية والإذاعة.

محو الأمية
يذكر فرد هاليدي في كتابه الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية ''كان أول من صادفنا داخل ظفار مجموعة من النساء والفتيات يربو عددهن على الثلاثين وتتراوح أعمارهن بين ثماني سنوات وأربعين سنة كن يحضرن دروساً لمحو الأمية، يقوم بها أحد الكوادر التثقيفية في الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي''. (37)
كان الريف الظفاري مجتمعاً رعوياً يعتمد على تربية المواشي والانتقال من مكان إلى آخر في رعيها، ما يعني عدم استقرار سكان الأرياف في مكان ثابت ''فريف ظفار مجتمع رعاة، يعتمد بشكل شبه كامل على تربية المواشي والأغنام والإبل ولا يعرف الزراعة المستقرة''. (38)
فكانت الفكرة هي إحضار المدارس للبدو حين تعذر ذهابهم إليها ''وقد استفادوا في ذلك من تجربة قامت بها اليمن بعد ثورة القوميين، وهي ما عُرف بمدارس البدو الرحل التي كانت ترافق البدو في حلهم ورحيلهم؛ بهدف تعليمهم ومحو أميتهم''. (39)
فمحو الأمية كان من مرتكزات الفلسفة التربوية للثوار، وهي إحدى أولويات مسيرتهم النضالية. وقد عهد بهذه المهمة إلى ثلاث جهات ثورية:
.1 جيش التحرير الشعبي.
.2 طلبة مدارس الثورة.
.3 منظمة المرأة العُمانية.
وكان جيش التحرير الشعبي هو من يتحمل العبء الأكبر في مهمات محو الأمية، وذلك لاقتصار وجود مدارس الثورة ومنظمة المرأة العُمانية على الحدود اليمنية والعُمانيين النازحين إلى هناك. بحيث يمكننا القول إن محو الأمية داخل الريف الظفاري في تلك الحقبة الزمنية كان مهمة موكلة بالكامل لجيش التحرير الشعبي.

جيش التحرير الشعبي ومحو الأمية
كانت الدورات المقدمة في جيش التحرير الشعبي تتضمن دروسا لمحو الأمية لمنتسبي هذا الجيش وتتضمن برنامجين عسكري وتربوي. و''البرنامجان يكفلان تربية وإعداد المناضلين والمناضلات؛ للالتحاق كقوى فعالة في صفوف جيش التحرير الشعبي؛ حيث تتثبت العديد من المفاهيم والقيم الجديدة التي تشكل تربة صالحة لاستكمال التثقيف الذاتي من جهة والتثقيف الجماعي. من جهة ثانية، وفق برامج وحدات جيش التحرير. وتبذل قيادة المعسكر جهداً كبيراً لمحو أمية كل الملتحقين بالدورة، خصوصا أن بعضهم لا يجيد العربية نطقا ويكتفي باللغة الحميرية، وكما قال قائد المعسكر، فإن 99% من أعضاء الدورة يتخرجون وهم يتقنون العربية قراءة وكتابة''.(40) وهذا في حد ذاته كان يعني محو أمية الغالبية العظمى من الرجال في الريف الظفاري، حيث ''كان من النادر أن نجد رجلاً قادرا على حمل السلاح ولا ينتمي إلى جيش التحرير الشعبي أو الميليشيا''. (41)
ولم تقف مهمة الجيش عند حد محو أمية أعضائه، بل تعدته لمحو أمية المواطنين، فكان أعضاء جيش التحرير الشعبي ينتشرون في مناطق الريف لتوكل إليهم مهمة محو الأمية في برامج لمحو الأمية مدة البرنامج ستة أشهر كحد أقصى ''فبعد ستة أشهر يتمكن الدارس من القراءة الأولية في الكراريس الثورية، ويستطيع الكتابة بشكل متوسط. وبعد سنة يتمكن من القراء والكتابة بشكل يعادل خريج الصف الخامس الابتدائي. وبذلك يمكن قراءة بيانات وبلاغات الجبهة وأدبياتها. والإقبال على محو الأمية كان من مختلف الأعمار، وقد قالت مقاتلة من المنطقة الوسطى ''إنك لا تستطيع أن تتصور سعادتي عندما تمكنت من قراءة بلاغ عسكري للجبهة أمام أهلي وبعض الأصدقاء. إن عالم القراءة عجيب ومذهل وواسع، وأنا مدينه للجبهة أنها علمتني''. (42)
وتذكر إحدى النساء ممن ارتدن دروس محو الأمية المقامة من الثورة في الريف الظفاري قائلة ''كان أعضاء وعضوات جيش التحرير الشعبي ينتقلون إلى مناطق الريف الظفاري، ويعلمون الناس هناك وبالقرب من أعين الماء كان عادةً ينتظر النساء أحد أعضاء جيش التحرير الشعبي وعلى الشجرة القريبة مثبت لوح خشبي أسود، وفي حقيبة طباشير أو فحم الخشب نستخدمه للكتابة على السبورة، وهناك كنا نتعلم الكتابة، كانت مدة الدرس ساعة ونصف الساعة أو ربما أكثر بقليل وبعدها نعود إلى منازلنا''.
وعندما ننتقل في الشتاء إلى مكان آخر أو في الخريف للجربيب (السهل المحاذي للجبال في ظفار) ''نجد شخصاً آخر من أعضاء الجيش يكمل تعليمنا وعندما اشتد قصف الطيران للمناطق والجبال صرنا نخاف من الانضمام لتلك الدروس والتجمع فيها خوفاً من القصف''. (43)
وقد حال قصف الطيران وحدة المعارك في المناطق الجبلية من ظفار من إتمام مهمات جيش التحرير الشعبي في داخل الريف الظفاري.

أولويات محو الأمية لدى الثورة
لم تكن مسألة محو الأمية تسير من الثوار دون تخطيط، بل كانت لهم في ذلك الاتجاه أولويات تحددت بالآتي:
الأولوية الأولى: كانت لأبناء جيش التحرير الشعبي، فهؤلاء من الخطر أن يبقوا أميين، وبالفعل اتجهت جهود الثورة إلى وحدات جيش التحرير تعلم أفرادها مبادئ القراءة والكتابة.
الأولوية الثانية: فتح المجال أمام المواطنين وأطفالهم لتعلم القراءة والكتابة على يد أفراد جيش التحرير الذين تعلموا بدورهم قبل قليل.
''وهكذا تسير المهمتان معاً: تعليم أفراد جيش التحرير، وهم بدورهم يعلمون المواطنين''.
الأولوية الثالثة: إقامة مراكز محو الأمية لمحو الأمية في المناطق الغربية من ظفار.
الأولوية الرابعة: مساهمة المعسكرات والدورات التي تقيمها الثورة بقسط من برامج محو الأمية. (44)
وبهذه الأولويات الأربع يمكننا اختصار مهمات جيش التحرير الشعبي في هذا الصدد.
فكان تعليم أفراد جيش التحرير الشعبي يسهم في محو الأمية، والجيش في حد ذاته يمثل شريحة عظمى من المواطنين في جبال ظفار؛ لذلك يمكننا أن نلمس انتشار الأمية بين النساء اللاتي تجاوزن الأربعين في الريف الظفاري، في حين أنها موجودة بنسبة أقل بكثير بين مثيلاتهن في العمر رغم عدم التحاقهن بأي من برامج محو الأمية .. والسبب يعود إلى أنهم كانوا أعضاء في جيش التحرير الشعبي الذي كان محو الأمية من برامجه ومقتضيات الالتحاق به.
أما المراكز الثابتة لمحو الأمية التي يقيمها ويسهم فيها جيش التحرير الشعبي فلم تكن موجودة سوى في المنطقة الغربية المحاذية للحدود اليمنية. وفي فصل التعليم النظام المقدم من الثوار للأطفال والشباب 1970-1992 يمكننا أن نلاحظ أن فكرة التعليم ومحو الأمية بدأها الربعي (45) ورفاقه في هذه المنطقة.
والخطوة الرابعة التي قام بها جيش التحرير الشعبي كانت برامج لمحو الأمية في المعسكرات المقامة لنازحين من جبال ظفار للحدود اليمنية مثل معسكر جمال الموجود في الغيضة باليمن، حيث كان يسهم أفراد جيش التحرير الشعبي بحماية المعسكر ومهمات محو الأمية.

دور الطلبة والمرأة
كان دور الطلبة مقصوراً على الحدود اليمنية والمناطق القريبة من مدارس الثورة سواء كان في حوف بدايةً أو الغيضة في المرحلة الثانية من تاريخ المدارس بشكل تطوعي غير إلزامي في البداية، ثم كجزء من برنامج ما يُعرف بالخدمة الوطنية بعد الثانوية، وهذا ما سيتم الطرق له عند الحديث عن تلك المرحلة في فصل التعليم المقدَّم من الثوار للأطفال والشباب.
كانت أغلبية النساء في ظفار أميات؛ لذلك عندما أقيمت مدارس لمحو الأمية كان ''مفهوم مدارس محو الأمية مرتبطاً في الأذهان بتعليم النسوة اللاتي تجاوزن سن المدارس النظامية، فلم تقم الثورة مدارس لمحو أمية الرجال، بل كان معسكر الثورة هو من يتولى تلك المهمة، ومن هنا أتى ارتباط مدارس محو الأمية بالنساء فقط''. (46) فكان لا بد من جهود نسائية في هذا الصدد، وهو ما قامت به منظمة المرأة العُمانية.
والمنظمة أساساً أتت في فترة الهزيمة العسكرية للثورة، فلقد ''كانت منظمة المرأة العُمانية في فترة متأخرة من عمر الثورة، أي في نهاية السبعينات والثمانينات تسهم في الإشراف على بيت لمحو الأمية في الغيضة، وكانت المنظمة مسؤولة بشكل مباشر عنه، وعن وروضة الأطفال، والمساعدات المالية كانت تقدم للمنظمة من جانب لجان مناصرة الثورة في أوروبا''. (47)

مدرسة محو الأمية
في حوف ومناطق ظفار لم تكن هناك مدارس ثابتة ''كانت المدارس إما موجودة في المعسكرات المقامة للنازحين من جبال ظفار أو سبورة وطباشير وأحد الشباب من أفراد جيش التحرير الشعبي أو طلبة مدارس الثورة عندما كانت في حوف ينتقلون مع الناس، حيث أماكن التجمع، أما في الغيضة، فقد أقامت الجبهة مدرسة ثابتة لمحو الأمية عُرفت بمدرسة الثورة لمحو الأمية''. (48)
يذكر الجناحي في كتابه كنت في ظفار ''النساء في منطقة ظفار لا يعرفن القراءة والكتابة، كلهن دون استثناء .. هكذا ترك الاستعمار والسلاطين الريف. تركوه مثقلاً بالتخلف والجهل، ولكن الجبهة الشعبية أخذت على عاتقها مسؤولية تعليم الكبار والصغار على السواء، الرجال والنساء والأطفال .. وشرعنا بزيارة لمدرسة محو الأمية وزرنا صفوفا للنساء: أربعة صفوف، في كل صف 15 امرأة، وتضم المدرسة أربعة مدرسين ومشرفا، وهؤلاء يدرسون ويقومون بأعباء نضالية أخرى، وتتولى المتقدمات في الدراسة مساعدة المتأخرات.
سبعون امرأة بعد سنة واحدة سيجدن طريقا للقراءة والكتابة، وتوفر الجبهة للمتعلمات كل سبل التعليم والدفاتر والأقلام.
ولضعف الإمكانات، وصعوبة المواصلات تفرش أراضي الفصول بالحصى الصغيرة. ويجلس الدارسون أرضاً''. (49)
''وكانت إحدى طرق تعليم القراءة والكتابة في ''أبجدية الثورة'': ط (طبقة)، م (مجتمع)، ف (فلاح) إلى ما هنالك''. (50)

الهوامش:
.35 الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي: التناقضات في اتحاد الشيوخ، دار الطليعة، نشر ,1980 كتب في أوائل ,1973 وتم تداوله بين أعضاء الثورة وجماهيرها، بيروت، ص.1 
.36 المرجع السابق، ص.32
.37 فرد هاليدي: ص 225-.234
.38 علي حسين خلف: مرجع سابق، ص.35
.39 أحمد العبيدلي، من الشخصيات القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، بحريني، كان له دور مهم وبارز في مدارس الثورة، في لقاء للباحثة معه في 1/8/2007 في البحرين، ارجع إلى فصل التعليم النظامي المقدم من الثوار للأطفال والشباب 1970-.1992
.40 علي حسين خلف: مرجع سابق، ص.33 ,32
.41 فرد هاليدي: مرجع سابق، ص.243
.42 علي حسين خلف: مرجع سابق، ص.31 ,30
.43 إحدى نساء ظفار في تلك الفترة الزمنية ''السبعينات من القرن العشرين''.
.44 علي فياض: حرب الشعب في عُمان وينتصر الحفاة، الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، بيروت، أغسطس/ آب ,1975 ص .160
.45 أحمد الربعي، أحد العقول المهندسة لفكرة الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي كويتي الجنسية وهو ''أحمد عبدالله الربعي، وُلد في ديسمبر/ كانون الأول 1949 في المرقاب في الكويت، دكتور في الفلسفة الإسلامية في جامعة الكويت وكاتب في جريدة الشرق الأوسط اللندنية ووزير التعليم السابق وعضو في مجلس الأمة الكويتي سابقاً، توفي في 5 مارس/ آذار 2008 بعد صراع طويل مع مرض عضال استمر أكثر من سنتين واستدعى إرساله إلى الولايات المتحدة مرات عدَّة للعلاج.
.46 إحدى تلميذات مدارس الثورة التي درست بمدارس محو الأمية في النصف الأول من السبعينات.
.47 عاصمة الجمالي، الاسم الحركي: وفاء ياسر، رئيسة منظمة المرأة العُمانية التابعة للثورة 1975-.1989 حوار هاتفي 5/4/.2009
.48 البريكي: مرجع سابق.
.49 سعيد أحمد الجناحي: كنت في ظفار، مشاهدات في أرض الثورة، إصدار كونفيدرالية طلبة عُمان والخليج العربي، دار ابن خلدون للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مارس/ آذار 1974م، ص.52
.50 عاصمة الجمالي، الاسم الحركي: وفاء ياسر، رئيسة منظمة المرأة العمانية التابعة للثورة 1975-.1989 حوار هاتفي 5/4/.2009
 
الوقت - 23 مارس 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro