English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حال الأمة من حال مقاومتها... لا أنظمتها
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-04-15 08:08:12


نصري الصايغ:     . 
I ـ البحث عما تبقى من الأمة
لنبدأ برسم الخارطة السياسية للأمة، حتى يكون للكلام موقع وموضع. الخارطة العربية موزعة بين القوى الإقليمية والدولية، وفق الصيغة التالية:
أ ـ إيران ومن معها من العرب، دولاً ومقاومة ومذاهب مختلفة.
ب ـ الولايات المتحدة ومن معها من العرب، دولاً وأنظمة، حارسة ومحروسة.
جـ ـ إسرائيل ومن معها من العرب، سياسة واستراتيجية ومصالح، تمثلها دول علناً وأخرى بباطنية مكشوفة.
د ـ تركيا ومن معها، ومن سيكون الى جانبها، سياسة وقضايا ومصالح، وصولا الى ما يشبه «حماية غزة» و«تعزيز صمود القدس».
ليس في الترسيمة الواردة، قطب عربي تتحلق حوله دولة أو دول أو منظومات. فالأمة برمتها، هي في حال «المعية». إنها مع... لا أحد منها معها.
ألا يعني ذلك أن المدى العربي، قد أفرغ من العروبة وقضاياها، وباتت هذه الأمة، على حال من الانعدام الذاتي، وان وجودها ظرفي، في معسكرات إقليمية دولية متنابذة ومتصارعة؟ ألا يعني أن الأمة تراجعت بحيث يكون العنوان المقبل، لأي تنظيم عربي، هو «البحث عن الأمة الضائعة» بإرادتها، وقواها الذاتية؟
لا يبدو أن حال الأمة، بالمعنى الكلاسيكي المزمن، ميسور الحال. ولا دلالة على أن الطريق التي سلكها القادة والمفكرون والأحزاب، ستفضي الى مكان وجودها الفعلي... لقد أضعنا قرناً من الزمن، ونحن نبحث عن الأمة بأدوات نفيها وآليات موتها، ونظم دفنها.
البحث في حال الأمة، يكون مجدياً، إذا بدأنا من «الحجر الذي رذله البناؤون»، على ما جاء في الإنجيل: من خلال التأسيس على المقاومة.
II ـ بدائل الأنظمة: الحروب الأهلية
الطريق الى الأمة، من منظور الأنظمة السياسية العربية، مقطوعة... ومن يتجرأ على سلوكها، يقع في حال من العصيان. الأنظمة التي استأجرت شرعيتها من شرعية تمثيل قضايا الأمة، مارست فنون القطع مع هذه الشرعية، عبر إعلاء القطرية والكيانية والحزبية والعشائرية والقبلية والحزبية والأقوامية... وانتهت هذه الأنظمة الى تأييد ذاتها، بالطرق اللاشرعية كافة، حتى باتت حكراً على محتكرين من العائلات المالكة، في الأنظمة الملكية الاستبدادية، وفي الأنظمة الجمهورية والجماهيرية العاتية.
كل قراءة لواقع الأمة وأحوالها، من خلال ما يطرأ أو لا يطرأ على أنظمتها، مآلها انسداد الأفق... «أنظمة مغلقة، لا تتغير بذاتها، وان تغيرت بغيرها، حصلت الكارثة».
لقد أحرقت الأنظمة العربية البدائل. الحكمة السديدة المزمنة والرائجة: «البديل من السلطات الراهنة المقيمة، هو الفوضى والعنف». وعليه، لا بد لتأكيد الاستمرار من تكبيد الشعوب ثمن الاستقرار... والاستقرار قاد العرب الى الاستنقاع، والخروج من أي حراك سياسي، إن على مستوى القمة المقيدة بمصالحها أو على مستوى القاعدة المعتقلة.
بلور «العرب» نظاماً سياسياً غريباً، تزدهر فيه الهشاشة وينتابه الضعف، يوكل أمر استمراره لقوى خارجية، وتزدهر فيه شرعة القمع والاضطهاد والتسفيه والتشويه... إنه نظام عربي، يستبسل في إظهار ضعفه واتكاليته كما يستبسل في اقتلاع أي اعتراض على سياساته.
III ـ البناء على الهزيمة
هو مسار بدأ منذ اقتسمت الأمة في سايكس ـ بيكو، ما بين القوى الاستعمارية والقوى الرجعية/ العائلية/ الإقطاعية/ السلطة.
هو مسار بدأ بقبول الرشوة الباهظة: «خذوا أشلاء واحكموها». فأخذنا أشلاءنا، كيانات ناقصة الوجود، نافلة الصفات، نادرة الالتفات الى الأمة، وتفنّنا في صياغة عقائد كيانية وقطرية، قادت الى تقديس الحدود الداخلية، وتعظيم شأن «المخاطر الأخوية».
لقد حكمنا الغرب الاستعماري، بقواه مرة، وبقوانا دائماً. ومن خرج عن هذا الحكم، نال عقوبة «الخيانة» أو «العزل».
في قرن من الزمن، نادراً ما كنا «نحن» محكومين ببعض من هذا «النحن». ومن حاول أن يستقل ويتحرر، إما أسقط بالقوة العسكرية من الخارج، وإما أسقط من الداخل. وكما أسقط مصدّق في إيران، أسقطت الناصرية على دفعات، من الخارج والداخل معاً. لم تكن نكبة وكارثة الخامس من حزيران كافية. لإنهاء حال الاتصال بالأمة وقضاياها، (فلسطين، الحرية، الاستقلال، الوحدة، العدالة الاجتماعية، الاشتراكية و... نفط العرب للعرب)، فتم القضاء عليها، بانتصار «أوكتوبر» الذي أخرج مصر مظفرة، بشهادة حسن سلوك قومية، أباح لقيادتها التخلي النهائي عن قضايا الأمة ودخلت الأمة نفق كامب ديفيد... ولا تزال، كما دخلت فلسطين خنادق أوسلو، ولا تزال محاصرة بالمستوطنات، ونقاط التفتيش، والاعتداءات العسكرية، وتتناوب عليها إسرائيل، تهويداً وتهجيراً وحصاراً وقتلاً.
في ذلك المسار الطويل، تم تظهير الأعمال السياسية والحراك الإقليمي والدولي، واستبعدت وسائل المقاومة وأقصيت ثم حوربت من «أهلها». فمنذ ما قبل معركة ميسلون، ظهر أن هناك مصلحة بين المستعمر الغالب والقوى المحافظة المغلوبة، لقتل المقاومة في مهدها. لقد شاركت أنظمة ما قبل الاستقلال، في تصفية المقاومة القومية، في سوريا مراراً، وفي فلسطين دائما... وكانت القاعدة الذهبية لأنظمة «التعاون المشرف» مع المنتصر، البناء على هزيمة الأمة، هزيمة إرادتها. هزيمة رفضها للاستعمار والاحتلال.
أنظمة التفاوض عن بعد أو من قرب... أجهضت الأمة، عندما نحرت مقاوماتها المتكررة.
IV ـ من فلسطين إلى... الأمة
الأمة، من جهة الأنظمة، ممنوعة من الحضور، الأمة من جهة قوى الأمر الواقع، المالية والطائفية والمذهبية والأقوامية، ليست مؤهلة للإقامة السياسية في الجغرافيا العربية... الأمة، بقضاياها، مكلفة جداً، تستلزم تضحيات كبيرة، ونضالات دؤوبة، لم تكن يوماً من اختصاص سلطات وأنظمة وقوى، تدربت فقط على الكسب السريع، والربح الرخيص، و«لطف» المهانة. الأمة، من جهة المقاومة، كثيرة الحضور. وقلب الأمة شديد التأثير، وكثير الفرائض. تملي فلسطين على المقاومة أن تشد على الزناد والتصويب والدقة. المكان الأصعب في الأمة، هو فلسطين. والمقاومة اختارت الأصعب ونجحت، وأهدت انتصارها الى الأمة.
ساء الانتصار الى أحوال الأنظمة، فانهالت على شعوبها تحريضاً مذهبياً وطائفياً. حاولت أنظمة العجز والتخلي، قطع طريق الأمة (وشعوبها) الى المقاومة. حاولت سد المنافذ، (بالتشنيع واتهام التشييع) على المقاومة، التي حملت الأمة، من جلجلتها... منعت الأنظمة وحواشيها وإعلامها، وصول المقاومة الى الأمة... ولقد نجحت قليلاً، موظفة المال والإعلام والتهديد والوعيد والقضاء، والأخطر بين الأسلحة، الفتنة السنية الشيعية. (العراق نموذجاً).
المقاومة، تعيد كتابة ماضي الأمة.
درسنا وكتبنا تاريخنا، بالهزيمة نفسها ونزعة تنظيم المؤامرة. حمّلنا إثم النكسة والنكبة التقسيم والتجزيء والتخلف والتبعية لقوى الغرب الرأسمالي، لم يكن ذلك صحيحاً. كان الغرب القوي عكاز الأنظمة في حالتي السلب والإيجاب. كانت الأنظمة تخيفنا، عبر تعظيم قوى الغرب وتأليه قوة إسرائيل، ثم كانت تخيفنا أكثر، عبر استدراج عروض لهذا الغرب، ولهذه «الإسرائيل»، كي تساعدها، على فلسطين وعلينا، كشعوب متهورة ورافضة.
تاريخ أمتنا لم يكن تاريخ القوى المأزومة فقط، لقد جرى التعتيم الدائم، على التاريخ المشرف للمقاومات العربية... قلما نقع في يوميات القرن العشرين، كل عام لم يشهد مقاومة ضد المحتل. العراق نموذجاً (1920)، سوريا مثالا (ثورات متوالدة) لبنان دروساً (محاصل عامل 1918 الى المقاومة الوطنية الباسلة، فالمقاومة الإسلامية الأسطورية)، أما فلسطين فملحمة (من وعد بلفور حتى غزة بالأمس القريب والضفة في الأمس غير البعيد). فلسطين لم تكل عن حمل السلاح... ولما تزل.
هذه أمة بطريقة أخرى.
أمة الأنظمة، أبادتها الأنظمة... أمة المقاومة، حية ترزق، وهي أقوى من الأنظمة العربية برمتها.
أمة المقاومة، حية في لبنان وفلسطين والعراق، وهي مدعومة من أنظمة نادرة (سوريا) جازفت بالكثير، ومن شعوب عبّرت سراً عن تأييدها لها، عندما منعت الأنظمة التداول باسم فلسطين، وما يمت إليها بحجر أو تحية أو برقية تأييد.
Vـ مستقبل لا مفر منه
ما ورد أعلاه، ليس إنشاء وبلاغة دعائية... الأمة اليوم، لديها بطاقة حضور ممهورة بالفعل... الأمة ليست مدعوة الى مؤتمر القمة، أي مؤتمر. ليست حاضرة في جلسات مجالس الوزراء العرب، أو في المجالس الحكومية لدى دول التعري القومي، والخلاعة السياسية.
ما ورد أعلاه، يمكن «تقريشه» بالمعادلة التالية:
الدول العربية بأنظمتها «التقدمية» لفترة وجيزة، والرجعية بطريقة مزمنة، عجزت، برغم ما تملكه من عناصر القوة، على الوقوف بوجه التحديات الخارجية والبيئية والداخلية. وحدهما إيران وتركيا، وقفتا، كدولتين قويتين، وتصرفتا بمنطق الدوليتين القوميتين، وعبرتا عن حالتي أمتيهما، بكثير من الفعالية والحركة والنتائج.
دولتان/ أمتان، رفعتا التحدي... ليس لدينا من الدول من رفع التحدي وفاز... لدينا من لا يزال يمانع وحيداً.
إنما... إنما... إنما،
المقاومة العربية رفعت التحدي، المقاومة الجزائرية حررت بلادها. المقاومة المصرية أجلت قوات العدوان الثلاثي عن السويس والقنال، المقاومة الفلسطينية، في صدد اجتراح المستحيل، وهي صامدة. منذ قرن تقريباً. أما المقاومة اللبنانية، «الوطنية» المعطاءة سابقاً، و«الإسلامية» المنتصرة راهنا، فهي في صدد الاشتراك برسم مصائر دول وأنظمة وإعادة رسم خارطة الأمة برمتها.
الطريق شائك، ملبّد بالسياسات التخريبية، ولكنه طريق مسلوك، ولا عودة عنه البتة.
إن الأمة، بمقاومتها المعتصمة جغرافياً في اللامرئي من الأرض اللبنانية، هي في موقع الرقم الأصعب في المعادلة الإقليمية.
لدينا أمة، انتصرت مقاومتها مرتين على إسرائيل، وتستعد لانتصار آخر، ولا تعمل لغير هذا الانتصار، إن هذه الأمة لا تموت أبداً.
إذا بحثنا عبر منظار الأنظمة، فلن نجدها...
وحدها، حتى اللحظة، المقاومة ومن معها من الشعوب والأنظمة، تعبر عن حال الأمة... كمستقبل لا مفر منه. 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro