English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الإصلاحات الدستورية في المغرب ... الأزمة ذاتها في البحرين
القسم : شؤون عربية

| |
2010-05-16 09:05:01


أصدر الحزب الاشتراكي الموحد المغربي وثيقة تاريخية مهمة اشتملت على رؤيته للإصلاحات الدستورية المطلوبة في المملكة المغربية، ورفعها للملك محمد السادس في يناير 2007م.
وحيث أن كثرة من محاور هذه الوثيقة تتضمن ذات الأزمة الدستورية في بلادنا – رغم وجود بعض الاختلافات في هيكلية الحكومة وتسمياتها-، فإن "الديمقراطي" ومن باب حرصها على اطلاع القارئ البحريني على التجربة المغربية ومقارنتها بأوضاعنا السياسية والدستورية تنشر أهم محاور الوثيقة المغربية.
 
إن تنظيم (وعد) يتشبث بضرورة التعديلات الدستورية والعودة إلى مضمون دستور 1973م وإضافة إصلاحات أخرى تنسجم مع المستوى السياسي والحضاري الذي وصل إليه شعبنا ومجتمعنا والعالم المتقدم، فإنه ينطلق أيضا من أن مطلب الإصلاحات الدستورية والسياسية تعتبر عصبا أساسيا ورهانا جوهريا من رهانات الإصلاح.
ويرجع التشبث بهذا المطلب إلى الإيمان بكونه مدخلا جوهريا وأساسيا لبناء الدولة الديمقراطية الحداثية والمجتمع الديمقراطي الحداثي، الذي يتأسس في المقام الأول على سلطة القانون وسيادته وتساوي المواطنين أمام هذا القانون حاكمين ومحكومين، واعتبار هذه المساواة أساس بناء مجتمع المواطنة النقيض لمجتمع الرعية. وبالتالي فإن الإصلاح الدستوري والسياسي المطلوبين هما اللذان يساعدان على تجاوز وتغيير نظام الامتيازات والاستبداد والتعسف والفساد المالي والإداري والمؤسسات الصورية، وانعدام الفعالية والمراقبة وهي المظاهر التي دامت لزمن طويل وما تزال معششة في جسم وروح الحكم.
إن المجتمع الذي يهدف تنظيم (وعد) إلى بنائه هو مجتمع المسؤولية والمحاسبة، وهذا المجتمع لا يتأتى إطلاقا إلا بضمان الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وكذلك احترام المؤسسات وآليات عملها.


أهم المحاور التي وردت في الوثيقة المغربية:
-       الاقتناع بالديمقراطية كفلسفة وكآليات.
-       الشكل الملكي للنظام السياسي لا يمثل بالنسبة لنا موضوع خلاف، بل نعتبر أن الملكية الديمقراطية ضمانة للاستقرار.
- هدفنا هو الوصول إلى نظام الملكية البرلمانية، لأنها صيغة التوافق الوحيدة بين الملكية الوراثية والديمقراطية.
بعبارة أوضح، نريد وزيرا أول يتعاقد مع الشعب وينفذ برنامجه الذي يشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، الداخلية والخارجية.

 
مهمة تصحيح الاختلالات
يتعين النهوض بمهمة تصحيح عدد من الاختلالات التي تبعد نظامنا السياسي عن النموذج الديمقراطي المأمول، وأهم هذه الاختلالات هي :
1- وجود سلطة تقليدية فوق دستورية
إن وجود سلطة تقليدية تنهل من مشروعية موازية، ويمكن لها باسم هذه المشروعية أن تتخطى النص الدستوري، يفيد بكل بساطة أننا نعيش ما يشبه المجاز الدستوري أو غياب المؤسسة الدستورية بمفهومها الحقيقي.
ومن ثمة نستطيع الجزم، بعدم "جدية" الاختصاصات الواردة في الدستور والممنوحة للوزير الأول، فالمؤسسة الملكية عمليا هي الدولة، وكل المؤسسات ترتبط بها برابطة الطاعة والمخدومية، وهذا يجعل الوزير الأول والحكومة مجرد أجهزة لتلقي التعليمات وترجمتها والتحرك في حدود ما يحال عليها وما يفوض لها أو ما يطلب منها أن تباشره.
2- الضبط الانتخابي
تباشر الدولة مهمة الضبط الانتخابي وخاصة من خلال أدوار وزارة الداخلية. ليست هناك سلطة مستقلة للإشراف على الانتخابات، فهناك اهتمام بنتائج الانتخابات ممن يتولى أمر الإشراف عليها، إذ ينهض تخوف من أن تفرز الانتخابات أغلبية لها برنامج مختلف عن برنامج الدولة القار وتطالب بتطبيقه.
إن الداخلية هي سلطة خارج حكومية – أكثر من غيرها - متعاظمة الأدوار، وتحرص على ضبط واقع معين، وتسعى لكي لا تفرز الانتخابات واقعا قد يمنع استمرار مركزية القرار أو تنبثق من خلاله قوة تطالب باستقلاليتها عن الدولة وبرنامجها. إن وسائل الضبط الانتخابي متعددة ومركبة، وهي تكفل استمرارية وضع قائم ينبع القرار فيه من أعلى.
3- ثنائية حكومة فعلية موازية لحكومة اسمية
بالرغم من وجود حكومة رسمية، فإن المستشارين الملكيين ووزراء الداخلية والأمانة العامة للحكومة وما اصطلح عليه البعض بوزراء السيادة، والمدراء، يمثلون جميعا وجها لسلطة فعلية تتفوق على سلطة الحكومة الرسمية، وتخلق خللا مؤسسيا يتمثل في "الازدواجية بين سلطة الدولة وسلطة الحكومة"، فكما لو أن الحكومة ليست جزءا من الدولة، ولهذا السبب فإن الحكومة في المغرب هي فعلا "منظمة غير حكومية".
إن "الدولة" تقيم علاقاتها بالقطاعات من خلال مؤسسة الديوان الملكي (مستشارون، وزارة الداخلية، ولاة، عمال، موظفون كبار، مدراء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية)، خارج العلاقة المفترضة بين وزراء الحكومة وهذه القطاعات. وهكذا تضيع قواعد المسؤولية والوضوح في التدبير.
4-  ظاهرة اللجان/الصناديق/المؤسسات
يتعلق الأمر هنا بهيئات تقتطع مساحات هامة من اختصاصات الحكومة وميزانيتها العامة وتساهم في تهميشها. إنها هيئات تقع تحت النفوذ الملكي المباشر ولا يتأتى عمليا مباشرة أي وجه للإشراف أو الرقابة عليها من طرف ممثلي الشعب المفترضين، وقد أدى تزايد نفوذ مدراء هذه الهيئات إلى أن يصبحوا أشبه بوزراء يتحكمون في مصير أموال عمومية ويدبرونها باستقلال عن الأجهزة الحكومية القائمة، ويتوفرون على نوع من الحصانة والاستمرارية التي لا تتأثر بالمتغيرات الانتخابية وتعبيرات الرأي العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وقد تعمق عرف إنشاء هذه الهيئات خلال مرحلة وجود عبد الرحمان اليوسفي في منصب الوزير الأول، وأحيلت عليها ملفات حساسة وحيوية تهم الجوانب الاقتصادية والسياسية التي تندرج عادة في صلب اهتمام واختصاص الحكومات في مختلف أنحاء العالم.
5-   التشريع الملكي المباشر
بناء على الفصل 19 يعمد الملك أحيانًا إلى إصدار نصوص تشريعية تنشر بالجريدة الرسمية ويتم العمل بها بدون الرجوع إلى البرلمان أو حتى إشعار مجلس الوزراء، رغم أن تلك النصوص تدخل في مجال القانون (ظهير إنشاء المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري- ديوان المظالم، على سبيل المثال). ويتعلق الأمر أحيانا بمواضيع تكون الحكومة قد شرعت في إعداد النصوص المتعلقة بها، وقد تأتي صيغة النص المنشور بظهير ملكي مخالفة للتوجه الذي كانت الحكومة أو القطاع المعني يريدان أن يخضع لها مضمون النص. وذلك بالرغم من أن الملك يمكنه أن يتدخل على مستوى مجلس الوزراء لتعديل صيغة المشروع أو أن يطلب قراءة ثانية بعد مصادقة البرلمان أو يتوجه إلى الشعب مباشرة لاستفتائه في الموضوع.
6-     اعتبار القضاء مشمولا بسلطة الإمامة
إن التأويل الذي قدم للدستور المغربي، بمناسبة رفض القضاء ممارسة أي نوع من الرقابة على أعمال الملك، يقوم على أن هذا الأخير هو باعتبار مكانته الدينية بمثابة "القاضي الأول"، فلا يمكن والحالة هذه للفرع أن يراقب أعمال الأصل، وكل ما يصدر عن الملك يتمتع بحصانة مطلقة ولا يمكن الطعن فيه، ويبقى للأفراد أن يلتمسوا المراجعة على سبيل الاستعطاف بالتوجه مباشرة إلى الملك أيًا كان مجال العمل الملكي، وهذا المنطق يتماشى في الأصل مع فكرة القداسة التي يحظى بها شخص الملك والتي تجعل كل ما يفيض عنه مقدسًا أيضًا، حتى ولو تم تسجيل تعارض القرارات والنصوص الصادرة مع القانون، وقد أكد القضاء أن الخطب الملكية مثلا هي بمثابة قانون، حتى ولو لم تصغ في قوالب قانونية.
لقد اعتبر المجلس الأعلى أن القضاة ممثلون فعليا للملك، ويترتب عن ذلك سعيهم إلى تشخيص الإرادة الملكية في أحكامهم. ومن ثمة، فإن الوضع الدستوري في المغرب، طبقا لمنطوق الفصل 19 وللتأويل الذي قدم له، لا يتحمل فكرة استقلال القضاء. كما يشكو نظامنا القانوني عمومًا من حواجز وحدود تمنع وجود شكل متقدم ومرن لرقابة حقيقية على دستورية القوانين، ومن العراقيل التي تمنع القضاة من تنظيم صفوفهم بشكل مستقل وبناء علاقات تضامنية تمنحهم قدرة البروز كمركز سلطة في مراقبة مراكز السلطات الأخرى، ولهذا السبب فضل المشرع الدستوري استعمال عبارة "القضاء" بدل عبارة "السلطة القضائية"!.
7-      ضعف المؤسسة البرلمانية
ويتجلى في كونها ليست مصدرًا للمبادرة المستقلة، ولا تمارس رقابة فعلية على سير دواليب الإدارة وخاصة في القطاعات الحساسة، وعدم نهوضها بالمهام المطلوبة منها إزاء أحداث وطنية خطيرة كتفجيرات 16 ماي وما أعقبها من متابعات وممارسات تحكمية، وضعف الحضور في مناقشة نصوص أساسية، وتهميش دور النواب في اقتراح القوانين، واستعمال تقنية الأسئلة على وجه لا يجعل منها وسيلة لمواكبة القضايا الوطنية ذات الأولوية، وما يتسبب فيه وجود الغرفة الثانية من إهدار للوقت والجهد وازدواج وظيفي ...الخ.

الدستور الذي نريد
انطلاقا من هاجس معالجة الاختلالات المذكورة أعلاه، وأخذا بعين الاعتبار لشروط المرحلة ومتطلبات التقدم والتحديث، ستتحدد إذن صورة الدستور الذي نريد، أي ذلك الدستور القادر على ضمان :
-       ربط القرار بصناديق الاقتراع أي اعتماد السيادة الشعبية أساسا للحكم.
-       "دسترة الدستور" أي الوصول إلى جعل الدستور وثيقة ملزمة، حتى تصبح الحالة الدستورية حقيقة لا مجازًا، ويوضع النص الدستوري المكتوب فوق كل السلطات تعبيرا عن سمو السلطة التأسيسية.
-       الحد من الأعراف اللا دستورية أي قواعد العمل غير المتلائمة مع نصوص الدستور.
-       توحيد المشروعية في الشرعية، والوصول إلى إقرار دستور واحد، والقطع مع الحالة التي تعرف بوجود دستورين (دستور عصري / دستور تراثي) أو ثلاثة دساتير (دستور ضمني / دستور صريح / دستور مطالب به).
وبعبارة أخرى نريد الوصول إلى دستور ديمقراطي، وذلك أساسًا من خلال الاحتفاظ للملك بسلطات هامة في الظروف الاستثنائية واللحظات غير العادية في السير المؤسسي، حتى يتمكن من لعب دور حيوي في التحكيم والعودة إلى الشعب ومواجهة الظروف الطارئة وتأمين استئناف السير السليم لدواليب الدولة، وتعزيز موقع الحكومة والوزير الأول والبرلمان في ظروف السير العادي عبر :
-       منح الحكومة صلاحيات جديدة.
-       جعل الوزير الأول رئيسا فعليا للجهاز الحكومي منبثقا من الأغلبية.
-       تحويل عدد من صلاحيات مجلس الوزراء إلى مجلس الحكومة.
-       توسيع اختصاصات البرلمان، وإلغاء الغرفة الثانية.
-       ضبط عدد من آليات استقلال القضاء.
وتم الاحتفاظ بهيكلة دستور 1996 كإطار لطرح الأفكار ومقترحات التغيير، مع الإشارة إلى أنها تقدم عمليا صورة لدستور جديد، نظرا لجوهريتها وكثافتها، ومن ثمة يمكن القول أن المغرب عرف نصيب محوريين (دستور 1962 ودستور 1992) والباقي يمكن تصنيفه في خانة التعديلات على هذين النصين، وعلينا أن نؤسس لدستور جديد ثالث.
ونرى أن يكون دستورًا مفصلاً، وذلك تحقيقا للغايات التالية :
أ‌-           ضمان تقييد المشرع العادي حتى لا يستغل الفراغ لوضع قواعد لا تتماشى مع روح الدستور.
ب‌-     توحيد التأويل حتى تمنح المبادئ الواردة في الدستور معان واضحة ولا يتم الاستناد إلى حرية التأويل من أجل التحلل من الدلالات والمعاني الممنوحة للكلمات والتعابير المستعملة في المجتمعات الديمقراطية.
ج‌-       إنارة الممارسة وتزويد الجميع بأكبر قدر من المعطيات والعناصر الضرورية لتطبيق دستوري سليم وواضح.
كما نرى أن يكون دستورنا المقبل قادرا على الاستفادة من دروس الظرفية السياسية ومعطياتها ومواكبة المستجدات الوطنية والعالمية، وخاصة من خلال :
-       محاولة إصلاح عطب "التناوب" الذي جعل هذا الأخير عاجزًا عن الوفاء بما وعد الناس به.
-       استيعاب مستجدات البناء المؤسسي (ديوان المظالم – الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري...).
-       مراعاة النقد الذي وجه للغرفة الثانية، والإجماع الحاصل على شذوذ الوضع الحالي المتمثل عمليًا في وجود برلمانين.
-       ترجمة الالتزام الملكي بتعيين الوزير الأول المقبل من الأغلبية.
-       تجسيد التوجه العام نحو تعزيز نظام الجهوية ووضع الصيغة الدستورية القادرة على استيعاب فكرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.
-       إعادة تأكيد مكانة الأمازيغية كإحدى مكونات الهوية المغربية.
-       تحصين بعض مواد قانون الأسرة بدسترتها.
-       التنصيص على حق المهاجرين المغاربة في التصويت والذي تم اعتماده مؤخرًا.
-       مواكبة المستجدات العالمية بخصوص ما عرفته ترسانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من توسع.
-       إحكام صياغة الدستور، واستعمال عبارات إيجابية كالتعددية مثلاً التي كان يجب أن تعوض الإشارة السلبية الواردة بالمادة 3.
-       تطبيق توصيات التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة. 

نشرة الديمقراطي - العدد 58

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro