English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الشيعة في السعودية بين جحود (الانتماء) وفزّاعة (الولاء) للوطن
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-05-19 08:13:51


فؤاد ابراهيم:
الولاء بوصفه تظهيراً للانتماء يفرض سؤال الجذور التاريخية للشيعة في السعودية، الذين يمثّلون، بحسب تقديرات محايدة، بين 10 ـ 15 بالمئة من إجمالي السكان الأصليين.
مصادر التاريخ الإسلامي تمدّنا بفيض من الأدلّة على أن جذور الشيعة في شرق الجزيرة العربية موصولة بالنشأة الأولى للتشيع نفسه، وأن موجات الهجرة البشرية التي انطلقت من جنوب وشرق الجزيرة العربية الى العراق بعد معركة القادسية سنة 16 هجرية وفتح المدائن مثّلت الحواضن الأولى للمجتمع الشيعي. في تلك السنة، على وجه التحديد، بدأ نزوح وجوه من قبيلة عبد القيس، القادمة من شرق الجزيرة العربية، أو البحرين التاريخية، واستقرّوا في البصرة والكوفة، بعد تمصيرهما. ووفق الملاحظات التي يقدّمها F. M. Donner فإن «العقدين الواقعين بين فتح العراق واندلاع الحرب الأهلية الأولى في سنة 35هـ/656م شهدا هجرة ملحوظة لرجال القبائل إلى الكوفة والبصرة».
ويورد ابن سعد في (الطبقات الكبرى) أسماء عدد من العبقسيين (نسبة إلى عبد القيس) الذين نزلوا البصرة، ومنهم من كان في الوفد الذي التقى الرسول (ص) مثل الزارع بن الوازع العبدي، وعمرو بن المرجوم وجاء في ترجمته «وهو الذي أقدم عبد القيس البصرة».
النقطة الجديرة بالاهتمام هنا، أن القبائل العربية التي استوطنت العراق شكّلت أرضية اجتماعية خصبة، تولّدت فيها حركات اعتراضية وسياسية وفكرية، وتركت بصمات واضحة في تكوين المسلمين السياسي والاجتماعي والثقافي. وفي هذه البيئة، جسّد التشيع نفسه في بنية مجتمع المهاجرين في الكوفة والبصرة والمدائن، ليستكمل بفعل التطورات السياسية السريعة إجراءات تشكله التنظيمي والسياسي في ظروف التوتر الاجتماعي خلال عهد الخليفة عثمان، ومهّد التجسيد السياسي للتشيع لأشكال أخرى فقهية وكلامية في مرحلة لاحقة.
ومثّلت القبائل التي استقرت في البصرة والكوفة خط الدفاع الأول عن قضية علي وبنيه. ظهر ذلك بوضوح، أولاً، في الحركة الاحتجاجية الواسعة النطاق التي تفجَّرت ضد الخليفة عثمان، في تعبير اعتراضي على ما أسماه أحمد عباس صالح، الارستقراطية القرشية التي أخذت شكلاً تفاضلياً في هذه الفترة وأكّد نفسه في حوادث حرب الجمل. المناصرة المستميتة التي أظهرها مقاتلو عبد القيس في حرب الجمل سنة 36هـ للخليفة الشرعي ممثلاً في الإمام علي، كانت ذات طبيعة تضحوية لافتة، برزت أولاً في موقف حُكَيم بن جبلة العبدي وابن عبّاد العبدي. وتذكر المصادر التاريخية أن البصرة تعرّضت إلى غارة من بعض أنصار أم المؤمنين عائشة، في موقف وصف بأنه كسر للهدنة المقرّرة بين الفريقين، فقاموا بقتل والي البصرة عثمان بن حنيف وصادروا بيت المال. وفي رد فعل من جانب وجوه البصرة ورجالها، قاد الحكيم العبدي، وكان يعرف بأحد سادة عبد القيس، ثلاثمئة من رجال عبد القيس وهاجم جيش أم المؤمنين عائشة. وأبدى حُكيم، كما تذكر المصادر، شجاعة نادرة بعد بتر ساقه، فواصل القتال حتى آخر رمق من حياته.
وبصورة إجمالية، كانت عبد القيس من القبائل الشيعية في البصرة التي كانت موضع ثقة الإمام علي وابنه الحسن، ومن وجوهها من كاتبه الإمام الحسين لنصرته في نازلة كربلاء. فقد بعث كتاباً إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سليمان نصها: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود (العبدي)، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، سلام عليكم، أما بعد، فإني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام).. ومن رجال عبد القيس من اختلط دمه بدماء سيد الشهداء وأهل بيته سنة 61هـ.
ما يمكن تقريره كنتيجة مستخلصة من كل ما سبق عرضه، أن عبد القيس إلى جانب القبائل العربية المهاجرة من جنوب الجزيرة العربية شكّلت جزءاً جوهرياً من الرأسمال الاجتماعي الذي وظّف لمصلحة توطين التشيع في العراق والبحرين واليمن، ومن ثم نشره في مناطق أخرى مجاورة.
ويبدو واضحاً مما سبق أن التشيع نشأ على تربة عربية خالصة، وأن العرب هم الآباء الأوائل له والناشرون لتعاليمه. بل يلزم التذكير أيضاً بأن التشيع لم يصبغ العراق وحده بل تؤكد المصادر التاريخية القديمة على أن التشيع غطّى أغلب مساحة الجزيرة العربية بما في ذلك منطقة نجد، وسط الجزيرة العربية.
يلقي ذلك أيضاً الضوء على دور شيعة شرقي الجزيرة العربية في انبثاث التشيع في أجزاء أخرى من المشرق. فقد كانت إيران، على سبيل المثال، حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ذات أغلبية سنيّة ساحقة، على مذهب الإمام الشافعي، باستثناء المناطق المتاخمة للعراق، وكذلك مدينة قم، معقل العلم الديني الشيعي في إيران. فبعد إصدار الشاه إسماعيل الصفوي، مؤسس الدولة الصفوية، سنة 1501م بإقرار المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً في جميع أنحاء إيران، قدم 120 عالماً شيعياً من جبل عامل، والقطيف، والبحرين، للقيام بعبء نشر التشيع، واشتهر من علماء شيعة القطيف الشيخ إبراهيم القطيفي الذي دخل في مساجلات فقهية مع الشيخ علي عبد العال الكركي، شيخ الإسلام في الدولة الصفوية، حول هدايا السلطان والخراج.
تعاقبت على شرق الجزيرة العربية دولٌ ينتمي حكّامها إلى عوائل من أهلها مثل العيونيين والعصفوريين وصولاً الى مرحلة الاستعمار البرتغالي في القرن الخامس عشر. وخضعت المنطقة اسمياً تحت الخلافة العثمانية، فكانت مصرفيّة الإحساء والقطيف تابعة لولاية البصرة.
منذ منتصف القرن الثامن عشر، شهدت الجزيرة العربية تحوّلاً دراماتيكياً عقب التحالف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود على تقاسم السلطتين الدينية والزمنية. وكان الشيعة في شرقي الجزيرة العربية هدفاً في مشروع الدولة الجديدة، فقد كتب الشيخ ابن عبد الوهاب نقضاً لعقائد الشيعة، كما ورد في رسالته (الرد على الرافضة)، وأرسى بذلك شكل العلاقة بين الشيعة والدولة السعودية. وفي يناير (كانون الثاني) 1927 أصدر علماء المذهب الوهابي في اجتماع بالرياض فتوى جاء فيها (وأما الرافضة ـ أي الشيعة في الاحساء والقطيف ـ فأفتينا الإمام أن يلزمهم البيعة على الإسلام، ويمنعهم من إظهار شعائر دينهم الباطل، وعليه أن يلزم نائبه على الاحساء أن يحضرهم عند الشيخ ابن بشر وأن يبايعوه على دين الله ورسوله.. وأن يلزموا بالاجتماع على الصلوات الخمس، هم وغيرهم في المساجد، ويرتب الإمام فيهم أئمة ومؤذنين ونوابا من أهل السنة، ويلزموا بتعلم الثلاثة الأصول، وتهدم الأماكن المبنية لإقامة البدع فيها ويمنعوا من إقامة البدع في المساجد وغيرها، ومن أبى قبول ذلك ينفى عن بلاد المسلمين.. وأما رافضة القطيف فيلزم الإمام ـ أيده الله ـ الشيخ ابن بشر، أن يسافر اليهم ويلزمهم بما ذكرنا).
لسنا هنا أمام مجرد عملية تحويل عقدي قسري، ولكن حين يتم استدعاء الذاكرة التاريخية والثقافية المشبّعة لدى الشيعة، نكون أمام شكل من أشكال ما يعرف بـ(المجزرة الثقافية). تدبير كهذا أتاح، دون ريب، ضرباً من التوّتر المستديم في العلاقة بين الشيعة والدولة، وكان للنزوع الأيديولوجي المفرط لدى الدولة دور في وقوع انقسامات عميقة داخل المجتمع وبينه وبين الدولة.
رسوخ الخطاب المذهبي وانبثاثاته المطّردة محلياً وكونياً أفضت إلى انبعاث الهويات الفرعية، والانتماءات الخاصة، كما عبّرت عن نفسها في كتابات جمّة عن القبائل والمذاهب والمناطق الأخرى، في رد فعل على مركزية فئوية ومذهبية غالبة. ولذلك، لم تتقرر بداية تشكيل ذاكرة جمعية/وطنية بعد إعلان الدولة السعودية سنة 1932، بل ما جرى تحديداً أن ثمة محافظة وإعادة إنتاج لذاكرة ما قبل الدولة الوطنية، وفيما تحققت شروط الدولة ـ السلطة، تبدّدت مقتضيات الدولة ـ الوطن، فتسلل المركز إلى الأطراف لاحتوائها، بدلاً من استضافة المركز للأطراف لإدماجها في بنية الدولة الناشئة. وهنا يكمن جوهر أزمة دول المشرق عموماً، وقد يصوّب، هذا الاستدراك، دعوة المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين لشيعة الخليج للاندماج في أوطانهم. فحين تغيب آلية الاندماج مهما بلغ مستوى الإيمان بضرورته، وتجدب مقوّمات الأوطان، لا تعود هناك إمكانية لتلبية الدعوة، لأننا نكون أمام وجود افتراضي وليس واقعياً.
في تصحيح متأخر، تمّ إدخال برنامج (الثقافة الوطنية) الى مناهج التعليم الحكومي العام 1996، فكان بمثابة وجبة فاسدة في محتوياتها، إذ اشتملت على كل العناصر الغذائية باستثناء العنصر الوطني. فقد قارب البرنامج موضوع أزمة الدولة ـ السلطة، ولم يقترب البتة من مسألة الدولة ـ الوطن.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والاعلان عن ضلوع 15 سعودياً من أصل 19 انتحارياً، بدا واضحاً أن أيديولوجية الدولة باتت عبئاً، بحسب تركي الحمد، وحان الوقت لصوغ أيديولوجية وطنية بديلة. تفجّرت نواة تلك الأيديولوجية من داخلها، بعد أن أصبحت مهدّدة من الخارج، وأصبحت الدولة مرشّحة لصدوع خطيرة. قواعد اللعبة اقتضت أن يشهر لواء (الوطن) دون اقتفاء شروط تكوينه، فكان من الخميرة نفسها التي شكّلت الخطاب الديني للدولة، فخرج فئوياً، ومناطقياً، ومذهبياً.
حين يناضل الخطاب ضد ذاته، يكون خطر اجتثاثه نابعاً من تناقضه الداخلي. وبالفعل، فإن التلويح أمام الأغلبية السكانيّة خارج المركز بفزّاعة (الولاء) للوطن، أجهض فرص ولادته الطبيعية. لا تنبئ كثرة كتابات ناشطي الشيعة في (الوطنيات) عن ظاهرة صحيّة، ومن المفارقات البلهاء أن يحقق الناشطون السياسيون الشيعة رقماً قياسياً في أداء فروض الولاء، وفي الوقت نفسه يتكبّدون الأفدح من اتهامات تحويل الولاءات لحسابات خارجية. بات بعض ناشطي الشيعة يتحرّك آلياً لتقديم بيانات في الولاء للوطن كلما دهم الدولة ـ السلطة خطرٌ قريب أو بعيد أو حتى وهمي، حتى باتوا معنيين بالحضور الدائم في محكمة الولاء لسبب أم بدونه.
لا تتعثر خطى أولئك الذين تنكّبوا الى الصراط الوطني حين يسدلون الستار على ماضٍ قريب مدجج بصور التشظي لكل ما هو وطني، لحساب ما هو فئوي، ولكن من هذا شأنه فهو قادر على ابتلاع الماضي، والانغلاق مجدداً لصنع مناعة لزمن آخر، بإثارة مبادئ الولاء، والانتماء، والأصالة التاريخية بانتظار نضوب الوعي بخطاب الوطن والارتداد بالجميع الى خط أزمة الدولة ـ السلطة.
سيبقى الشيعة في السعودية على الدوام أمام شبهة الجذور المجثوثة للانتماء، وإن كان أجدادهم هم المؤسسين الأوائل للإسلام الشيعي، وستلاحقهم تهمة الولاء، وإن يمّموا وجوههم قبل المركز عشية وضحاها. فمن العلامات الفارقة في تاريخ الشيعة في دول مجلس التعاون الخليجي، أن شيعة السعودية وحدهم الذين لم يخالطهم أحد من غير العرب، وأن أعراقهم موصولة بالقبائل العربية العريقة مثل بني خالد، والعجمان، وقحطان، وشمر، وسبيع، وتميم.. ومن السفه الاعتقاد أن الولاء، هنا وحصرياً، ذو ضرب ديني أو وطني، فهو لا يعدو أن يكون استزراعاً لبارانويا جماعية بهدف درء أخطار سياسية واقعية أو متخيّلة عن الدولة ـ السلطة.
* باحث في الفكر السياسي من السعودية

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro