English

 الكاتب:

القدس العربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الميثاق ما انجز وما لم ينجز.. من هو الاردني؟
القسم : شؤون عربية

| |
القدس العربي 2010-05-20 08:25:18


جـمـال الـطـاهـات:
لقد جاء الميثاق ليحل عدداً من المآزق في الحياة السياسية الأردنية. وبعد هبة نيسان(ابريل) المجيدة عام 1989، كان من الضروري التوقف لإجراء مراجعة شاملة بدأها المرحوم الملك الحسين بخطابه الأول بعد هبة نيسان(ابريل) بالقول، بأن ما جرى في نيسان(ابريل) هو 'من خصائص الأمم الحية'. وتلا ذلك الاتصال بين الملك ورموز النظام السياسي مع عدد كبير من قادة العمل الوطني الديمقراطي المعارض، أسفرت تلك اللقاءات عن التوصل إلى معادلة الاعتراف المتبادل، والقبول المتبادل بين المعارضة والنظام. وقد تم التعبير عنها بخطاب للملك أقر فيه 'بالأخطاء المتبادلة' في المرحلة الماضية.
وقد ترافق الحديث عن مصالحة وطنية في تلك المرحلة بإطلاق سؤال وطني كبير وهو: من هو الأردني؟ وخصوصاً أن المادة خمسة من الدستور الأردني، لا تعرِّف الأردنيين، كما هو الحال في كل دساتير العالم، بل أحالت تعريف الأردنيين إلى حملة الجنسية الأردنية، والتي تمنح لهم حسب منطوق المادة الخامسة من الدستور بموجب قانون ينظم الجنسية. وهذه إحدى أهم نقاط ضعف دستور عام 1952. الذي عرف الأرض والنظام السياسي، ولكنه أغفل العنصر الثالث للدولة وهو المواطنون.
وقد إنطلق الميثاق بجو تصالحي. حيث أقرت المعارضة والنظام التوصل إلى الاعتراف المتبادل، دون مناقشة المحددات والقواعد الناظمة لممارسة السلطة. كما أن كلا من الأردنيين والفلسطينيين المشاركين في اللجنة الملكية لصياغة الميثاق، توصلا إلى نص يعكس اعترافا متبادلا بين الطرفين بأهمية وضرورة اعتراف كل هوية بقيمة الهوية الأخرى في مواجهة المشروع الصهيوني. وظهر ذلك بنص واضح في الميثاق بمنطوق الفقرة أولاً من الفصل السابع. إلا أن هذا الاعتراف المتبادل لم يتطور أو يتقدم خطوة ليحدد شكل العلاقة بين الطرفين، كما طالب الميثاق بوضوح في الفقرة ثانياً من الفصل السابع. نص الميثاق أنهى المبرر السياسي والأمني للنظر للفلسطينيين في الأردن باعتبارهم مصدرا من مصادر التهديد الأمني. فحتى ذلك التاريخ، كانت هناك موضة تطالب الفلسطيني في الأردن أن يداري هويته، ولا يعلنها بوضوح، ويقدم نفسه باعتباره أردنيا، وذلك تفعيلاً لإحدى منتجات معزوفة الخصوصية الأردنية، حول وحدة الولاء والانتماء. كما أن الميثاق، الذي جاء بعيد قرار فك الارتباط، وأكد على ذلك القرار، خفف الكثير من القلق الفلسطيني حول وحدة التمثيل الفلسطيني.
وبالرغم من مضي قرابة العشرين عاما على المصالحة والتفاهم حول محوري الحياة السياسية، العلاقة بين المجتمع والحكم، والعلاقة بين الأردنيين والفلسطينيين في الأردن، إلا أنه لم تبدأ بعد المسيرة الجدية التي ستجيب عن الأسئلة التي علقت عام 1990، وتمت إحالتها إلى حسن النوايا. الملك حسين، بعد حرب الخليج الثانية، وتدمير العراق، وبدء مدريد، تراجع عن التقدم نحو الديمقراطية التي وعد بها في خطابات ما قبل الميثاق. كما أن الأردنيين والفلسطينيين، بالرغم من تجاوز معضلة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد، بقي هاجس النخب الفلسطينية في الأردن وفلسطين هو الحفاظ على الحالة الراهنة خوفاً من الأسوأ. والخوف من الأسوأ كان وما يزال العائق الأهم الذي يمنع إنطلاق عملية تطوير الحياة السياسية وتقدمها، ويمنع تحويل الإعتراف المتبادل بين الحكم ونخب المجتمع إلى أرضية مشتركة لتجاوز الخوف وعدم الثقة. وغياب رؤية واضحة مكن الخوف من الأسوأ أن يكون أيضاً عائقاً يمنع تطوير العلاقات بين الأردنيين والفلسطينيين بعد أن تحقق الاعتراف المتبادل بهويتين متكاملتين متعاضدتين في مواجهة المشروع الصهيوني. فأهم نقطة لم يتصد الميثاق لتحقيقها هي تحويل الاعتراف اللفظي المتبادل إلى أساس متين للثقة يبرر رحلة مشتركة للأطراف التي كان الميثاق بينها. فالميثاق جاء بين أطراف مختلفة، ووضع أسسا للعلاقة بينهما، وبنى قواعد لجسور مستقبلية محتملة. ولكن للآن ليس هناك من بنى أي جسر. فقد طالب الميثاق بأن توضع علاقات الأردنيين والفلسطينيين 'في إطارها الصحيح' كما طالب بأن يتم 'إرساؤها على أسس ومرتكزات واضحة'. لكن الميثاق لم يقدم الإطار الصحيح ولم يحدد الأسس والمرتكزات الواضحة، وتجاهلت نخب الحكم والمعارضة هذه الدعوات. ولم يقم أي طرف، بمن في ذلك المتمسكون الآن بالميثاق، بأي خطوة في هذا الاتجاه.
فقبل أن يجف حبر الميثاق، قامت وزارة الداخلية برفض ترخيص عدد من الاحزاب التي شاركت في الميثاق، وتم التوصل إلى تسوية للترخيص تتناقض مع نص وروح الميثاق. وجاء إعلان أوسلو، الذي أقسم البعض علناً أنه تفاجأ به، مبررا للمزيد من عدم الثقة ولكن بديناميكيات مختلفة. وبالرغم من أن الميثاق تحدث بصراحة ووضوح عن هويتين أردنية وفلسطينية، إلا أن الفلسطينيين منعوا من تشكيل أحزاب فلسطينية، باعتبار ذلك تهديداً للأمن الوطني الأردني. وكأن فلسطينية الفلسطيني في الأردن، التي أقرها الميثاق، تمثل نقيضاً للأمن الوطني وللهوية الوطنية الأردنية، بالرغم من أن الميثاق قال صراحة عكس ذلك. وتم تحويل فصائل المقاومة الفلسطينية إلى مجرد أحزاب أردنية معزولة، مؤخراً بدأت تتقاضى أموالاً من الحكومة.
وبقي الحديث عن تطوير آليات الحكم يمثل فرصة لكل الإنتهازيين لأن يحرضوا الملك على النخب والأفكار الإصلاحية. فكل من طالب بتطوير آليات الحكم، اصطدم باستجابات تشكيك، وخطاب مزاودة. وبدلاً من أن يكون الميثاق والاعتراف المتبادل، وتجاوز الأطروحات الانقلابية والإقصائية، فرصة لبناء الجسور، وتخليص النظام من الكتل الأسفنجية، أصبح طبقة عازلة إضافية بين الملك والمجتمع. وساعد على ذلك محاولة بعض المراكز تجاهل الميثاق وتجميده. وتشكلت في الأردن ظاهرة خطيرة، عنوانها تكريس مركز للسلطة خارج مؤسسات الدولة. مما فرغ الاستقلال من مضمونه. فأهم تعبير سياسي عن الاستعمار كان وجود مركز للسلطة خارج مؤسسات الدولة. وبدلاً من أن يكون الميثاق قاعدة لنقل المزيد من السلطات إلى مؤسسات الدولة، تحول، استناداً لما أخذه القصر من قبول بموجب الميثاق، إلى مبرر لتركيز السلطة خارج مؤسسات الدولة. وبدلاً من أن يكون القصر مظلة عامة في الدولة، تحول إلى مركز للسلطة ينتقص من سيادة الهيئات السيادية.
المطلوب الآن ليس فقط إحياء الميثاق، بالتركيز على تذكير الناس بنصوصه، بل أخذ خطوات حاسمة على مسارين متوازيين، الأول بناء مداميك جديدة للثقة، تمكن الجميع من التقدم بخطوات ثابتة وواضحة، مستندين إلى الاعتراف المتبادل. والثاني تحويل الثقة المتبادلة إلى فرصة لإجراء إصلاحات سياسية كبرى تبدأ بالعمل على بلورة هيئات سياسية فاعلة تقدم للمواطنين فرصة المشاركة بصناعة مستقبل له ملامح قريبة من أحلامنا، وينتسب إلى قدرتنا على رسم ملامحنا وظلالنا على الأرض التي ارتضيناها وطناً. مع التأكيد بشكل حاسم بأن المطلوب تطوير العلاقات بين المثلث السياسي في الاردن، الأردنيين، والفلسطينيين والحكم. وحل المعضلات العالقة في المثلث السياسي الأردني يتطلب تحويل الاعتراف بفلسطينية الفلسطينيين في الأردن إلى فرصة لهم لبناء تعبيراتهم السياسية الفلسطينية، وإعادة موضعة الملك في النظام السياسي الأردني ليكون رأسا للدولة وليس رأسا للسلطات. وهذا من شأنه إطلاق عملية إصلاح كبرى، تمكن من الاستمرار في عملية بناء الأردن وطناً حقيقياً لمواجهة المشروع الصهيوني، كما تصوره بناته الأوائل، وليس فلكاً ملحقاً بالإمبراطورية الإسرائيلية.'
 * كاتب اردني

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro