English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العفن الطائفي أسوأ من الطائفية العفنة
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-06-06 08:25:52


دون الدخول في أية تفاصيل، غمرت شعب البحرين موجة من الفرح، وشعر المواطن البحريني بالكثير من الفخر والاعتزاز، عندما عرف بوجود أربعة من أبنائه على متن سفينة «قافلة الحرية» التي وصلتها نيران الدولة العبرانية. كان الوجود البحريني، على محدوديته العددية، كبيراً في مدلولاته السياسية. فها هو شعب البحرين يؤكد مرة أخرى، رغم همومه الداخلية ومشكلاته المتراكمة، التزامه ببعده القومي، وقضيته المركزية فلسطين.
كانت البحرين، شعبياً، حريصة على أن تكون بصمتها موجودة تمهر أشكال التحدي للغطرسة الصهيونية. ربما لا يقع ذلك النشاط في أعلى درجة من سلم أولويات العمل السياسي في البحرين، لكنه، في نهاية المطاف، مؤشر إيجابي على حيوية هذا الشعب وإصراره على العطاء، حتى في تلك القضايا التي ليست من صلب مهماته المركزية اليومية.
لم يكتب لهذه الفرحة، وذاك الاعتزاز أن يدوما طويلاً، فقد فوجئ المواطن بخروج مسيرتين مؤيدتين لفلسطين إحداهما تنطلق من مسجد الفاتح، والأخرى من كرزكان. هذا ما طالعتنا به صحف يوم أمس (السبت) في تغطية المسيرتين، حيث نغصت على الجميع تلك الفرحة، وبخّرت ذلك الاعتزاز.
مرة أخرى، ودون الدخول في التفاصيل أو الاستماع إلى التبريرات، كانت رائحة «العفن الطائفي» تفوح من المسيرتين. ونقول «العفن الطائفي»، وليس «الطائفية العفنة»، لأن ما يجري في البحرين اليوم مصدره ذلك «العفن»، الذي بات يزود جميع من يغيضهم إنجازات هذا الشعب، بما يحتاجونه من أسلحة كي ينحروه بها.
في السابق، وعندما كانت وسائل المواصلات بدائية في البحرين، كانت تخرج مسيرتان أيضاً، الأولى من جزيرة المنامة، والأخرى من جزيرة المحرق، وتسيران بقلوب صافية كي تلتقيان على جسر المحرق تحدياً للسلطة وتأكيداً على الوحدة الوطنية. أما اليوم، ومع تقدم وسائل المواصلات، فحتى عندما تنطلق مسيرة واحدة سواء من المنامة أو من المحرق، تمزق يافطات الشعارات التي يرفعها ذلك «العفن الطائفي».
أخطر ما في الأمر أن هذا «العفن الطائفي» تحول بفضل الحاضنات التي احتوته، إلى ما يشبه «الفيروس المحصن» الذي باتت لديه المقدرة على التعايش مع كل ألوان الطيف السياسي، فبتنا نجده في صفوف التيار الوطني الديمقراطي، مغلفاً بشعارات «تقدمية» تماماً كما نقرأه في برامج الإسلام السياسي، بما فيها تلك التي نشأت على أسس طائفية محضة.
يمكننا أن نفهم، دون أن يحق لنا أن نبرر، تفشي «العفن الطائفي» في المؤسسات الطائفية، كما نستطيع أن نستوعب «تذاكي» بعض مؤسسات الدولة، وتغليفها سلوكها الطائفي بمسحات وطنية، لكننا يستحيل أن نقبل بتسرب هذا «العفن الطائفي» في جسم مؤسسات التيار الوطني الديموقراطي، أو، وهذا أكثر سوءاً، في منظمات المجتمع المدني.
بصريح العبارة، ودون الحاجة لأي شكل من أشكال اللف أو الدوران، لقد نجح هذا «العفن الطائفي»، في التغلغل في صفوف التيار الديمقراطي، الأمر الذي يضع على قائمة مهمات التيار الوطني الديمقراطي، الذي هو الآخر أحد ضحاياه، مهمة جديدة أخرى، من نمط مختلف، وهي عملية غسيل داخلي كامل تطهر بدن هذا التيار من هذا العفن.
قد يبدو في هذه الدعوة مسحة من الاستفزاز، لكن لو راجع كل من أفراد هذا التيار ذاته وصارح نفسه، وبالشفافية التي يدعو الآخرين إلى التمسك بها، فقد يفاجأ بالنتائج التي سيتوصل إليها، حيث سيكتشف نسبة الطائفية التي باتت تلوث سلوكه جراء إصابته بهذا «العفن الطائفي». والحديث هنا لا يقف عند فرد هنا أو حفنة هناك، بل يتناول الظاهرة في نطاقها الشمولي الكامل. وقد لا نبالغ كثيراً أن أحد الأسباب المستترة وراء صعوبة التقاء منظمات التيار الوطني الديمقراطي على أرضية مشتركة، هو هذا «العفن الطائفي».
ومن الحركة السياسية، ننتقل إلى المجتمع التجاري البحريني الذي بات هو الآخر ملوثاً بهذا «العفن الطائفي». ولا يحتاج المرء إلى الكثير من الخبرة السياسية، كي يكتشف أن هذا «العفن الطائفي»، كان أكثر من أي عامل آخر، هو المسيطر الأقوى على مجريات انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين، هذه الانتخابات التي كانت تجرى منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، دون أية نزعة طائفية، نجدها اليوم تجرى في غرف مغلقة ومن وراء كواليس هذا «العفن الطائفي».
أخطر إفرازات هذا «العفن الطائفي» أنه يمنح من يلوّثه ببعض المكاسب الآنية المحدودة على الصعيدين الجغرافي والزمني، التي ترضي بعض طموحاته الاجتماعية، وتدغدغ شيئاً من تطلعاته السياسية، بمعنى أنه قد يفسح في المجال لمن يصاب به، أن يحقق بعض النفوذ المكاني أو الانتشار الزمني، في حي أو محافظة، ولفترة زمنية قصيرة على التوالي. لكن ذلك «الإنجاز» لا يلبث أن يتبخر لأنه لا يملك مقومات الاستمرار، دع عنك النمو.
مساوئ كل ذلك هو أن هذه الرقعة الجغرافية المحدودة، والفترة الزمنية القصيرة، كافيتان لمدّ هذا «العفن الطائفي» بإكسير حياة آخر يمكِّنانه من العيش في أوساط قوى أخرى جديدة. هذا التسلسل المتتالي، يكفل حياة شبه مستمرة له، تكون محصلتها تدميراً كاملاً للبنية الثقافية للمجتمع البحريني، وشللاً كلياً لحركة مؤسساته السياسية، على حد سواء.
ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا هنا أنه بعيداً عن ضحايا هذا «العفن الطائفي»، الذي يصابون به دون أن يعوا ذلك، هناك تلك القوى التي لها مصلحة مباشرة وبشكل مطلق في استمرار حركته وتأثيراتها. وتكون هذه القوى على أتم الاستعداد في حقن هذا «العفن الطائفي»، بما يحتاجه من مقومات الحياة في المراحل التي يتراجع فيها المد الطائفي، ويتقدم عليه خلالها المد الوطني أو التقدمي.
أغرب ما في الأمر أن الجميع يتحدث عن هذا «العفن الطائفي»، بتعريفات مختلفة، ويطالب بشن الحروب ضده، ويشدد على ضرورة التصدي له، لكنه بوعي أو بدون وعي، ومن خلال سلوكه اليومي، يساهم في بناء ورعاية البيئة «النموذجية» التي تمد ذلك «العفن الطائفي»، بهرمونات الحياة، وعضلات الحركة، فتأتي النتائج، بخلاف التمنيات.
ما نحتاجه جميعاً وقفة صادقة مع النفس تطهرنا من دنس هذا «العفن الطائفي»، فهل نمتلك الشجاعة الكافية والجرأة المطلوبة لتحقيق ذلك؟
الوسط - 6 يونيو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro