English

 الكاتب:

الأخبار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

«يا اللّه، يا رحمن... احفظ لنا أردوغان»!
القسم : سياسي

| |
الأخبار 2010-06-07 08:39:55


ابراهيم الأمين:
I
كان إدي أبي اللمع، القيادي في «القوات اللبنانية» عائداً إلى منزله إثر مشاركته في اعتصام سياسي تضامناً مع أسطول الحرية. لم يكن يشعر بحاجة إلى الحديث عن هذه المهمة. لكنّ أهل بيته سألوه: أين كنت؟
أجاب باقتضاب وهو يتهيّأ لأخذ حمام ساخن: كنا نشارك في اعتصام أمام مقر الأمم المتحدة في وسط بيروت.
جاءه التعقيب الفوري: هل هناك تطوّرات في ما خصّ المحكمة الدولية؟
ردّ بصوت خافت: لا، الموضوع مختلف. كنا نتضامن مع الذين أخذتهم إسرائيل من على متن السفن في عرض البحر.
- لماذا فعلت إسرائيل ذلك؟
- كانوا يتّجهون الى قطاع غزة لفك الحصار عنه.
- نعم، ولكن لماذا تمنعهم إسرائيل؟ أليست حماس هي السبب في الحصار؟
- صحيح، هي السبب، لكنّ هناك حصاراً ومنعاً لإدخال المؤن والأغذية للناس هناك، وهؤلاء جاؤوا يتضامنون إنسانياً لا سياسياً.
- لم أفهم، هم كانوا يواجهون إسرائيل، يعني أن إسرائيل هي التي تمنع الأغذية والطبابة عن أهل غزة؟
- صحيح، لكنهم حاولوا الوصول الى غزة بالقوة، ورغماً عن إسرائيل فحصلت المواجهة.
- يعني أن المشكلة مع إسرائيل؟
- نعم.
- يعني أن موقف تركيا والقوى الأخرى صار في مصلحة المعارضين لإسرائيل والذين يقاتلونها.
- ليس هكذا تماماً، لكن لمَ كل هذه الأسئلة؟
- أريد أن أعرف إن كانت مشاركتك قد صبّت في نهاية الأمر في مصلحة حماس؟
- لا، أنا كنت أتضامن مع المدنيين العزل.
- لكن هذا التحرك صب في مصلحة قوى المقاومة. يعني كنت تقف الى جانب حزب الله من أجل قضية تخصّه. وهي قضية معادية لإسرائيل وللعرب والغربيين الذين هم معنا. وبالتالي، هل يعني ما حصل أن إسرائيل هي المسؤولة عن جوع الناس أم المقاومة؟
- الاثنان معاً... منيح هيك؟
- طيب، لماذا لا تنظّمون اعتصاماً ضد المقاومة؟
- أوووف، خلصنا، ما هذا النقاش؟ أنا كنت ولا أزال ضد المقاومة، لكن للسياسة أحكامها.
وبينما كان أبي اللمع يلعن الساعة وهو ينظف جسمه من غبار نشاط مكروه، كان القيادي في حزب الله محمود قماطي يشرح لبائع قرب منزله في حارة حريك ما جرى: طيب، الجماعة إجوا ووقفوا الى جانبنا، شو بدّك نعمل؟
لم يعجب الجواب جار قماطي، فمضى يحدّث نفسه بصوت مرتفع: يعني هم معنا الآن في الخندق نفسه. كيف يكون المرء ضد إسرائيل وضد المقاومة؟
II
ثمة مناخات نفسية تعيشها بقية فريق 14 آذار في لبنان. لا أحد يحسد هؤلاء على أيامهم، ولا على المقبل منها، لكن صراخهم المرتفع على منابر تنضب يوماً بعد يوم، تحوّل الى لا شيء. إنه مثل «العبوس في العتمة». لا أحد يراه، ولا يشعر به غير صاحبه.
III
ليست 14 آذار اللبنانية وحدها في هذا المصاب. بل كل 14 آذار العربية أيضاً، لأن مواقف رئيس وزراء تركيا، لم تغب عن أي منزل على امتداد العالم العربي. وحده حسني مبارك لم يكن يريد أن يسمع شيئاً: خلاص، افتحوا المعبر ومش عايز اسمع كلمة تانية!
لكن محمود عباس، رئيس مبنى المقاطعة في رام الله، كان هو الآخر أمام مصابه الأليم. نصحه مقربون من الخبثاء: أطلِق موقفاً يدعو الى المصالحة. إنّها لن تحصل، لكن من المفيد إطلاق موقف كهذا، وامتنِع عن الإشارة الى المفاوضات الآن. وبعدها لكل حادث حديث.
يروي الدكتور فايز أبو شمالة أن رجال أعمال من قطاع غزة لبّوا دعوة رئيس هيئة «بدنا نعيش»، سلام فياض، الى مؤتمر لتشجيع الاستثمارات في الأراضي الفلسطينية. وفي لقاء خاص ضمّ فياض والرئيس السابق للفريق الفلسطيني التفاوضي نبيل شعث، أثار الزوّار مسألة الحصار على القطاع، فسمعوا أول اعتراف من مسؤول رسمي في السلطة. قال شعث: «البعض لدينا كان يعتقد أن بقاء الحصار على قطاع غزة سيؤدي إلى إضعاف حماس وسقوطها، لكن هذا غير صحيح، فالحصار أدى إلى إضعاف أهل غزة، وإضعاف اقتصاد غزة، أما حماس فهي موجودة، ومتحكمة، ولديها مصادرها، لذلك علينا تبنّي مشروع إعادة رفع الحصار عن غزة وتقديمه إلى الأطراف كي يتبنّوه». ثمّ عدّد شعث مجموعة أفكار لفك الحصار، دلّت هي الأخرى على مشاركة السلطة في إطالة أمد الحصار، منها الامتناع عن إرسال عناصر من حرس الرئاسة الفلسطينية لمواكبة مراقبين أوروبيين يمسكون المعابر البرية، لكنه قدم أفكاراً هدفها الوحيد تأمين مصالح إسرائيل الأمنية.
لم تكن هناك حاجة لأن يشرح أحد لنا أن القيادتين في مصر ورام الله كانتا طرفاً تنفيذياً في الحصار المستمر على القطاع، كما كانتا ولا تزالان في قلب العملية السياسية والأمنية العاملة على ضرب المقاومة ومحاصرتها داخل فلسطين وخارجها. ووصل الأمر بجماعتي مبارك وعباس الى حدود اعتبار التخلص من المقاومة هدفاً حيوياً لضمان الاستمرار في الحكم.
أما جماعة 14 آذار في الخليج العربي، فهم الأكثر تضرراً. الصمت الرسمي في السعودية لا يشبه إلا صمت الموتى. وماذا بمقدور سعود الفيصل أن يقول، وهو الذي تولى إحباط آخر محاولة لتحقيق مصالحة فلسطينية ـــــ فلسطينية برعاية عربية. لقد تولى مفاوضة حماس وسوريا من مكتب عمر سليمان في القاهرة. وتولى هو وسليمان، إضافة بند الاعتراف بإسرائيل على أربعة بنود حصرت في ملف المصالحة بين طرفي النزاع الفلسطيني.
IV
في الطريق الى ملعب الراية، حيث أقيم المهرجان الحاشد، بدعوة من حزب الله، كان بعض الشبان يرفعون أعلاماً تركية وهم يرددون: «يا الله، يا رحمن... احفظ لنا أردوغان». الشعار مقتبس من شعار مريدي السيد حسن نصر الله الشهير: «يا الله، يا الله احفظ لنا نصر الله». وهو يمثّل في العقل الجمعي لجمهور المقاومة، ذروة التسليم للقائد، واقتصار المطالب من الرب على مطلب حماية الرجل. والصورة الآن، تمثل اقتباساً من النوع الذي يشتهي قائداً بهذه المواصفات. بعد ثورة إيران، غنى الشيخ إمام عن الإمام الخميني وقال «يا ريت عندنا زيّو». أو مثل الآخرين من جمهور المقاومة الذين سبّبت لهم أحداث العقد الأخير أزمة الحساسية المذهبية. وبخلاف أهل فلسطين وقسم كبير من العرب المؤيدين لنصر الله، وقفت مجموعات كبيرة تنشد زعامة من خلفية لا تتصل بإيران أو بالشيعية الجهادية الحديثة. وهؤلاء سيشعرون الآن بشيء من المساواة. لقد أدت خسارة هؤلاء لتجارب الدولة الإسلامية (من نموذج السعودية الى نموذج طالبان) وخسارة تجارب الثورة (من حركة القومية العربية الى تنظيم القاعدة) الى قيام فجوة أثرت على السلوك لا على عمق الوعي. رفض هؤلاء «حماس» واتهموا الحركة الجهادية الفلسطينية بأنها أداة في يد إيران الشيعية. لكن ها هي تركيا تلوح في الأفق، كفرصة تعوّض العجز القائم على صعيد قيادة النظام العربي. وها هو أردوغان، يمكن أن تعلّق صورته في المنازل وعلى الشرفات وزجاج السيارات. وفي محصلة الأمر، فإن انخراط المترددين في تيار المقاومة، يقوم الآن من الباب الإسلامي. وها هي تركيا تصدّق على مقولة إيران الخميني: «القدس مسألة إسلامية قبل أن تكون مسألة عربية». الأتراك أنفسهم يعرفون اليوم معنى الزهو الذي تعيشه إيران كما سوريا بسبب الموقف الملاصق لقوى المقاومة. صارت فلسطين اسماً لا يمكن تجاوزه في أي أمر يخص العرب والمسلمين، وحتى الغربيين أيضاً. وإسرائيل نفسها التي لم تعد قادرة على إحصاء الأعداء، تجد نفسها أمام موجة كراهية جديدة. موجة الناطقين بالتركية، بعد العربية والفارسية.
ثمة أسئلة لا تستطيع إسرائيل أن تجيب عنها. تجربة «أسطول الحرية» دفعت الأفراد والمجموعات الصغيرة الى البحث في مبادرات شبيهة. سوف يشهد بحر غزة هذا الصيف، غزوات من نوع آخر. سوف تتحول السياحة الى هناك. وسوف تجد إسرائيل نفسها أمام خيار من اثنين: إما القبول بالهزيمة والعودة الى البيت، وإما المكابرة، وإغراق البحر بالدماء. لكن ثمة معادلات جديدة تلمّستها إسرائيل أخيراً، قاعدتها أن أي دماء تسفكها، سوف توازيها دماء من شعبها. إنها اللعبة التي تتدحرج فيها الكرة الى مستوى اللهب الكبير، الذي وإن تأخّر بعض الوقت، فإنه يتّجه صوبنا بخطى حثيثة، هي الخطى نفسها التي لا ترغب إسرائيل في مشاهدتها. هيلن توماس، ابنة التسعين عاماً، التي عملت لعقود عدة مراسلة في البيت الأبيض الأميركي، قالت قبل أيام «على اليهود أن يخرجوا من فلسطين وأن يذهبوا الى الديار». عندما سئلت: أين ديار اليهود؟ أجابت: «في بولندا، في ألمانيا، في أميركا»....وبعد، هل تتخيّلون معنى أن الحرب المقبلة ستغيّر وجه المنطقة؟

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro