English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المشروع النووي الإيراني بين الحقّانية السياسية والشرعية الدينية
القسم : سياسي

| |
السفير 2010-06-11 08:35:29


محمد حسين رئيس زاده:
نشأت الثورة الإسلامية في إيران، من القيم الدينية والأخلاقية. وفي تأسيسها واستمرارها قامت على قواعد الثقافة العقلانية. و انطلاقاً من هذه الأصول رسمت الثورة في بداية انتصارها الخطوط الأساسية من اجل تقدم وازدهار البلاد على صعد التنمية المعرفية والعلمية والاقتصادية والعسكرية جميعها. وهي وإن واجهت منذ أكثر من ثلاثين سنة تحديات هائلة، كالحرب المفروضة طيلة ثماني سنوات، الى عمليات الضغط و المحاصرة من جانب الاستكبار العالمي وفي مقدمه الولايات المتحدة الاميركية، فقد حثت الخطى في طريق الوصول الى هدفها، وهو الاستقلال السياسي والاقتصادي والعلمي، والسعي الى السيادة الكاملة وتطوير البلاد وازدهارها وخلاصها من التخلف ومن كل مخلفات النظام الملكي؛ ومن وجه آخر هيأت الأرضية للتعليم والتعلم لكل فئات الشعب وطبقاته وخصوصاً الشباب؛ وأعطت للشعب الإيراني الثقة بالذات، إلى الدرجة التي أحرز فيها العلماء الإيرانيون في بعض الاختصاصات الدرجات الأولى في العالم.
لعل أهم ما في هذه التطورات هو الحدث العلمي الكبير المتمثل بـ مشروع الطاقة النووية، الذي يعتبر أحد الإنجازات الكبرى للثورة الإسلامية. إذ على الرغم من الحصار العلمي والتكنولوجي تمكن علماء إيران من تخصيب اليورانيوم بمقدار يتعدى العشرين في المئة، وضمن مسار يتحرك بسرعة الى الأمام.
المعروف أن مواقف الدول الغربية، وفي مقدمتهم أميركا، تجاه هذا التقدم العلمي السلمي لم تكن إيجابية، بل هي سعت إلى توقيف حركة هذا القطار، وحرمان إيران من هذا الحق، بذريعة إمكان استخدام المشروع في المجال العسكري، والوصول الى تصنيع القنبلة النووية. هذه اللعبة الغربية تجاه المشروع النووي الإيراني لا تزال متواصلة منذ أكثر من عشر سنوات.
لماذا يهدد اوباما باستخدام القنبلة النووية ضد إيران؟ وأي قانون وضمير إنساني أو أصل عقلي وديني وأخلاقي يسوغ مثل هذا التهديد والاستخدام؟
من جانبنا نرى من الضروري ان نلفت الى فوائد الطاقة النووية، هل هي تنحصر في المجالات العسكرية أو لها فوائد سلمية أخرى؟ ثم هل الوصول الى حدّ يمكّن البلاد من الاستفادة من هذه الطاقة يعتبر جرماً يستحق العقاب؟ ثم ما هو جوهر الصراع الحقيقي بين الدول الخمس الكبرى وألمانيا وإيران، هل يرجع الى أن مشروع الطاقة النووية الإيرانية هو مشروع عسكري، أم إلى كونه منجزاً تنموياً سلمياً يرنو لتحقيق المصالح الوطنية للشعب الإيراني؟ بعبارة أخرى هل غاية الدول المعادية لإيران في هذا الملف هي منعها من الوصول إلى السلاح النووي أم أنها تريد ما هو ابعد من ذلك؟
في الغرب يعلمون جيداً أن إيران لم تتجاوز المبادئ والقوانين الواردة في اتفاقية إن پي تي(N.P.T). وليس لديهم دليل على أن إيران تسعى الى امتلاك السلاح النووي، ولكن كل القضية أنهم يريدون منع إيران من التقدم والتنمية والوصول الى التكنولوجيا خارج دائرة التبعية!
في الحقيقة، وكما يقرر العلماء، أن التكنولوجيا النووية لاشتمالها على فوائد كثيرة في المجالات الطبية والزراعية، وخصوصاً في مجال الطاقة، هي من الضروريات الأساسية لتقدم البلاد وتنميتها، بل هي من أعظم ما تحتاجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، نظراً لمحدودية مخزونات النفط والغاز في العالم وازدياد الحاجة الى الاستفادة منها.
اذا كانت للطاقة النووية فوائد كثيرة للبشرية فنفس الوصول الى هذا التقدم المعرفي والاستفادة منه ليس جرماً او مخالفاً لمصالح المجتمع الإنساني المعاصر؛ ولو كان الأمر كذلك تكون الدول النووية وخصوصاً اميركا أولى بالعقوبة والمجازاة؛ من جهة ثانية فإن تأسيس الوكالة الدولية للطاقة النووية وتوقيع عدد من الدول على اتفاقية (N.P.T) لهو دليل على حاجة البشرية الى الطاقة الذرية بما هي حق لجميع الشعوب، أما استخدام الطاقة النووية في الميادين الحربية فهو امر غير مقبول، ولقد اتفق العقلاء والدول على عدم جوازه.
تبقى المسألة الجوهرية في هذا الصدد، وهي كيفية التعامل مع المنجزات النووية و في أي سبيل ينبغي توجيهها؟ ان المبدأ الذي اعتمدته الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو الوصول الى هذا الإنجاز على اساس العمل به لخير شعبها وشعوب المنطقة، وليس كما تفعل دول الاستكبار عندما جعلته سلاحاً للتهديد، وبث الرعب بين المجتمعات، او استخدامه للإبادة الجماعية كما جرى في هيروشيما وناكازاكي في الحرب العالمية الثانية.
المفارقة العجيبة أن الولايات المتحدة الأميركية التي تقود اليوم دول الغرب ومجلس الأمن لمنع إيران من تحقيق برنامجها النووي السلمي، كانت اول دولة في العالم تُقْدِم على ارتكاب المجزرة الكبرى عبر استخدام السلاح النووي. وهي ايضاً من يعمل هذه الأيام بأساليب التضليل والخداع، على ترهيب دول العالم والمنطقة، وخصوصاً جيراننا من الأخوة العرب من الخطر المزعوم لبرنامجنا النووي التنموي السلمي. والأمر الأخطر والمستهجن في لعبة الخداع الاميركية، انها تفعل كل ذلك بينما تتستر على‌حقيقة اشد خطراً على منطقتنا كلها، وهي ان الكيان العنصري الصهيوني هو الدولة ‌الوحيدة في هذه المنطقة التي تملك اكثر من مئتين وخمسين رأساً نووياً جاهزة للإطلاق، هذا في الوقت الذي يمتنع فيه قادة الكيان الغاصب عن قبول الاتفاقيات الدولية او التوقيع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية (N.P.T). إنَّ ذلك إنْ دلَّ على‌أمر فعلى العدوانية الصارخة التي تمارسها اميركا ومعها الغرب الحليف لها، لإبقاء الكيان الاسرائيلي متفوقاً ومحتلاً لأرض فلسطين منذ اكثر من اثنين وستين عاماً.
ليس من شك، أن المسألة تتعدى هذا الجانب التقني، ذلك أنها تتعلق أساساً في إبقاء الهيمنة الاستعمارية الاستكبارية على شعوب المنطقة، واستغلال ثرواتها، ومنع تحررها وحصولها على استقلالها وسيادتها في الاقتصاد والسياسة وكافة مجالات التنمية الحضارية.
هذه هي الحقيقة، وليس من خيار في ظل هذا الاحتدام سوى واحد من اثنين: إما ان تصمد إيران أمام الضغوط والتهديد بالحرب، وإما أن ترضخ لمنطق الاستكبار العالمي وشروطه الاستسلامية؛ ولكن قدرها وخيارها الاستراتيحي جلي وواضح، وهو سلوك سبيل الكرامة الوطنية، وعزة الإسلام والمسلمين وسائر الشعوب المستضعفة في المنطقة والعالم.
إن الجوهر الرئيسي للصراع بين إيران و الدول الاستكبارية في الملف النووي ليس ما هو سائد في وسائل الإعلام أو ما يظهر من تصريحات غربية وأميركية لجهة أن إيران تريد السلاح النووي وأن اميركا تريد منع إيران من امتلاك هذا السلاح الخطير على مصير البشرية. إن حقيقة الأمر تعود اصلاً إلى سلمية المشروع النووي الإيراني، حتى أن الدول الاستكبارية، وفي مقدمهم أميركا، لا تريد أن يكون هذا المشروع من أجل تقدم الأمة الإسلامية بل أن تمضي إيران في تصنيع السلاح النووي ليتسنى لهم تشويه صورتها وبالتالي تدمير منجزاتها على الجملة. ذلك لأننا على يقين من أن بقاء و ازدهار ثقافة الثورة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق عبر الطرق العسكرية وإنما يكون عبر الثقافة، والعقلانية.
               - موقف الفقه الإسلامي
ما يبدو ويستفاد من الأحكام الفقهية والأدلة الأربعة (القرآن الكريم والسُنة والعقل و إجماع الفقهاء) أن تقدم وازدهار المجتمع البشري إنما يسير في طريق تسخير الطبيعة والاستفادة منها. وتشير الآيات القرآنية و الروايات المنقولة عن النبي(ص) الى أن الطبيعة من السماء والأرض خُلقت ثم جُعلت لأجل الإنسان بما يمكنه من الوصول إلى الكمال وحثه على التقدم «ألم تر أن الله سخّر لكم ما في في الأرض ـ سورة الحج ـ الآية 65» ـ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ـ سورة الملك ـ الآيه 15). إن الفقه الإسلامي المعاصر، وكما يعبر عنه الإمام خامنئي، هو فقه يحكم بحرمة استخدام أي سلاح يؤدي الى التدمير والإبادة سواء كان نووياً او كيماوياً او جرثومياَ؛ ذلك أن استخدام السلاح النووي يطال الجميع، المجرم وغير المجرم، ويجازى به المذنب والبريء.
إن استخدام أسلحة الدمار الشامل لا يستهدف المقاتلين من العدو فقط كما لا يستهدف الإنسان فقط، بل يشمل خطره كل ما هو حي من البشر والحيوانات و الزرع، وهذا امر يذمُّه العقل والعقلاء كما تذمه الفطرة الإنسانية ويحرِّمه الدين الإلهي الذي يدعو البشرية الى التعايش والاستفادة السلمية من الطبيعة والدنيا في طريق وصول الإنسان الى الكمال.
من اجل هذه الامور المذكورة وغيرها من الروايات الواردة في طريقة إدارة الحرب مع العدو وآدابها، أفتت المراجع الدينية الشيعية الكبرى بحرمة استخدام السلاح النووي وسائر أسلحة الدمار الشامل.
إن المواجهة التي لا تزال متواصلة منذ سنوات حول ما يسمى بالملف النووي الإيراني، هي اليوم في ذروتها. ولعل سيل التهديد بالعقوبات او بالحرب إنما يدخل في سياق العجز البيِّن الذي وقعت فيه أميركا في أفغانستان والعراق، وكذلك بعد الهزائم الكبيرة ‌التي وقع فيها الاحتلال الصهيوني في لبنان عام 2006 وفي غزة الأبية عام 2008.
تنطلق إيران في هذا الملف من مبدأ أساسي يقوم على حقَّانية الاستفادة من التكنولوجيا النووية لتجاوز مشكلات التخلف والأمراض والتأخر العلمي. ذلك كتبته إيران على نفسها بعدما كتبه الله تعالى عليها. وهذا حق أيضاً لجميع شعوب العالم.
* المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro