English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الفساد: وسيلة الأردنيين لتجديد إيمانهم بالديموقراطية
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-07-23 06:39:22


سفيان عبيدات:
يكثر الحديث عن الفساد في العالم وتصاغ عنه نظريات وترصد حوله ظواهر وتجرى عليه مقارنات ودراسات وكأنه جرثومة مجهولة المصدر والعلاج، ولا يلتفت أحد إلى أن السبب الحقيقي للفساد في أي دولة، وهو فساد في نظام الحكم، وفساد نظام الحكم هو فساد في علاقات سلطات الحكم الثلاث وتعطل نظام الكوابح والموازنات فيما بينها. فالدولة غير الديموقراطية التي لا يحكمها القانون هي مصدر الفساد، كما أن غياب الديموقراطية بأدواتها الرقابية وموازناتها تشكل تربة خصبة تجعل من كل شخص مشروع فاسد، ولو كان صلاح الأشخاص يواجه الفساد لكانت المدينة الفاضلة هي الوسيلة الوحيدة، والمستحيلة في الوقت ذاته، لمكافحة الفساد.
يكمن أصل الفساد في الأردن في تشوهات دستورية وتشريعية يعاني منها النظام السياسي؛ فبالإضافة إلى مجموعة من التعديلات الدستورية التي ساهمت في زيادة تركيز السلطة بيد السلطة التنفيذية وإضعاف دور السلطتين القضائية والتشريعية في الرقابة على أعمال الحكومة، فإن هناك أيضاً منظومة من التشريعات التي تحصن الفساد وتفسد القواعد الكلية التي تضمن سيادة القانون، وتبقي أدوات الرقابة بيد السلطة التنفيذية، تحركها متى وضد من تشاء وفي القضايا التي تشاء.
يحصن الدستور الأردني الوزراء من رقابة القضاء؛ فقد أنشأ الدستور مجلساً أعلى لمحاكمة الوزراء يترأسه رئيس مجلس الأعيان، وأناط بمجلس النواب سلطة النيابة العامة أمامه، كما أعطى الدستور لمجلس النواب حق الفصل في الطعون التي تقدم بشأن صحة نيابة أعضائه بدلاً من القضاء. أما قوانين الأجهزة الأمنية، فإنها توجب أن يحاكم أعضاؤها على الجرائم التي يرتكبونها أثناء أدائهم وظائفهم أمام مجالس عسكرية خاصة بتلك الأجهزة، لا يطعن بأحكامها أمام أي محكمة أخرى.
ومنذ منذ عام 1958، جرى العمل على إضعاف السلطة التشريعية حتى أصبحت اليوم هي الحلقة الأضعف في هيكل نظام الحكم، وقد ساهم في ذلك بشكل رئيسي مجموعة من التعديلات الدستورية توجت بتعديل في عام 1984 أعطى الملك صلاحية إضافية بتأجيل الانتخابات النيابية وإبقاء البرلمان منحلاً لمدة غير محددة.
وقد خلق هذا الواقع على مدى السنوات، متوالية كرست الفساد على حساب سيادة القانون. فتعطيل البرلمان، سواء بالتشوهات التي يعاني منها أثناء انعقاده أو بتكرار حله، جعل من السلطة التنفيذية سلطة لا رقابة فعلية عليها من الناحية العملية، كما أن رفع يد القضاء عن رقابة أعمال الوزراء والأجهزة الأمنية أفقده هيبته أمام السلطة التنفيذية، وجرأ الأخيرة على التغوٌل على كل من يحاول تحدي سلطتها، وشجعها على تقييد حرية التعبير، مما أدى إلى تعطيل رقابة الصحافة في التأشير على ممارسات الفساد.
وتستكمل متوالية تكريس الفساد من خلال مجموعة من القوانين التي تحيل على بعضها البعض، بحيث تضمن إمساك الحكومة بخيوط ملاحقة الجرائم المتعلقة بالأموال العامة بدلاً من تركها للقضاء النظامي، وتعطي صلاحيات استثنائية لجهات يتم التعدي بواسطتها على استقلال القضاء وحقوق الأفراد وحرياتهم؛ فهناك قانون محكمة أمن الدولة الذي يعطي لرئيس الوزراء صلاحية تشكيل محكمة خاصة يترأسها عادةً ضابط من القضاء العسكري، والنيابة العامة لهذه المحكمة هي النيابة العامة العسكرية. وقد أثبتت الممارسة في غير مناسبة أن استقلالية قضاة هذه المحكمة موضع نظر، فهم بالمحصلة ضباط يخضعون لقواعد الانضباط العسكري ويأتمرون بأوامر من هم أعلى رتبة منهم.
وثمة عضو آخر في شبكة التشريعات التي تحصن الفساد هو قانون الجرائم الاقتصادية الذي يعطي رئيس الوزراء صلاحية إحالة أي جريمة يعتبر أنها جريمة أمن اقتصادي إلى محكمة أمن الدولة. وأخطر ما يأتي به هذا القانون هو الصلاحية التي يمنحها للنيابة بإجراء صلح مع من يرتكب جريمة اقتصادية، إذا أعاد الأموال التي استولى عليها جراء الجريمة، بالرغم من أن هذا من الأمور التي لا يجوز الصلح فيها، والتي تصادر الغاية الرئيسية من العقوبة، وهي الردع حماية للمجتمع من ارتكاب الجرائم. كما يعطي هذا القانون صلاحية لمجلس الوزراء بتخصيص جزء من الأموال المحصلة من مرتكبي الجرائم «لتغطية النفقات الإدارية والقضائية وبدل الأتعاب»، وهو الأمر الذي يشكل إخلالاً فاضحاً بمبادئ الحياد والنزاهة وعدم جواز تأثر القضاة بأي منفعة مادية تتعلق بعملهم، فيما خلا رواتبهم، وهو الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام إفساد الجهاز القضائي.
ثم يأتي قانون هيئة مكافحة الفساد الذي ينشئ جهازاً لمكافحة الفساد المالي والإداري ويحدد له أهدافاً بلاغية مثل «توفير مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة ومكافحة اغتيال الشخصية والواسطة والمحسوبية التي تلغي حقاً أو تحق باطلاً، والأفعال التي تؤدي إلى المساس بالأموال العامة»، ويمنح أعضاءه صفة الضابطة العدلية ويحيل على قانون العقوبات في تعريف ماهية الفساد، أي أن الفساد الذي يعرِّفُه هذا القانون هو جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات والتي تعتبر ملاحقتها جزءاً من عمل النيابة والقضاء النظاميين. ولا يفهم من تكليف هذه الجهة الاستثنائية بهذه الصلاحيات إلا أنه إضعاف للقضاء وإمعان في إفساد للنظام.
أما الصحافة وجمعيات المجتمع المدني، فإنها تقف من هذا المشهد موقفاً إشكالياً؛ فهي ترصد الفساد من دون أن تضع يدها على الخلل الرئيسي، وتبقى تدور في حلقة مفرغة من الإحصائيات والظواهر والنسب والمقارنات من دون أن تلحظ الفساد في النظام الذي يحكم الدولة، ومن دون أن تشير إلى فساد التشريع واستغلال الحكومة له، بينما يكرَّس الفساد كأمر واقع لا نقاش فيه.
* هذا العنوان مستوحى من مقولة الكاتب والممثل الانجليزي بيتر اوستينوف (Peter Ustinov): الفساد وسيلة الطبيعة لإعادة تجديد إيماننا بالديموقراطية»Corruption is nature’s way in restoring our faith in democracy».

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro