English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حاربوا الإحباط السياسي
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-11-13 08:26:52


بعد أن قالت صناديق الاقتراع كلمتها، وفاز من ساعدته ظروفه أو حالفه الحظ، على الوصول إلى المقاعد النيابية أو البلدية، وطوى من حالت عوامل كثيرة دون تحقيق أهدافه، سرت في جسد الشارع السياسي البحريني موجة من الإحباط بعضها كلي، بمعنى أصابت المواطنين بشكل عام، والبعض الآخر منها جزئي انحصرت حدوده في فئة اجتماعية معينة أو جمهور قوة سياسية محددة.
لحالة الإحباط هذه، أسبابها التي تفسرها، وينبغي رفض تبريرها، والتي يمكن حصر الأهم منها في النقاط الآتية:
1. إحساس المواطن باستاتيكة العملية الانتخابية، وخلوها من أي شكل من أشكال التغيير الذي يثير الحماس أو يستحق التفاعل. ولو بدأنا بالمعارضة، فسوف نكتشف خلو صفوفها من أي تطور ينفي تنامي حالة الإحباط أو يحد من تطورها. فلم يطرأ تغيير على القوى المشاركة، كما لم تحاول تلك القوى أن تبادر إلى إجراء تغييرات جذرية في ممثليها أو برامجها، حيث تكررت محتويات البرامج الانتخابية، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى المرشحين. وما زاد الطين بلّة، أن النتائج كانت شبه محسومة، إلا في نسبة ضئيلة منها، في الكثير من الدوائر، وهو أمر أكدته النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات في مراحل لاحقة.
2. تعزز ذلك الشعور بعد الإعلان عن أسماء القائمة الوزارية التي جاءت بها الحكومة المعينة، التي كان المواطن يتطلع إلى تغييرات جذرية فيها، فجاءت التشكيلة الوزارية خالية من أي تغيير يُذكر، إذا ما استثنينا، إضافة الترضية لأحد المقاعد، وإضافة كرسي جديد. لم تكلف الجهات الرسمية نفسها حتى بالإقدام على إجراء بعض الرتوش الضرورية، مثل تدوير الوزراء بتغيير المقاعد الوزارية بين الوزراء أنفسهم. وما ضاعف من شدة الاحباط، كانت تلك الإشاعت التي روجت، قبل الإعلان عن تلك الحكومة، لاحتمالات تغييرات وزارية جذرية، ذهبت إلى القول بوصولها إلى بعض الوزارات السيادية.
3. التذبذب الذي سيطر على سلوك السلطة التنفيذية، بين سياسات قمعية شديدة عبّرت عن نفسها في موجات اعتقالات متتالية، ترافقت مع حملات إعلامية موتورة، مسّت قوى سياسية لم تكن مشمولة في لوائح الاتهامات المباشرة، ربطت مع ما رافقها تراجعات في سياسة الدولة مع بعض أطراف المعارضة، ممن لم يكونوا يحسبون عليها، وتشددها، في الوقت ذاته، في التعامل مع فصائل أخرى في المعارضة، كانوا الأقرب لها خلال السنوات العشر الأخيرة. سياسة التذبذب هذا عبرت، في جوهرها، عن حالة ارتباك زرعت بذرة الإحباط عند المواطن العادي.
محصلة كل ذلك كانت موجة الإحباط تلك التي تسربت إلى نفوس المواطنين، والتي يمكن أن تتحول إلى سلوك سياسي سلبي محفوف بالمخاطر، ويحمل في ثناياه، هو الآخر، مجموعة من الأخطار السياسية التي يمكن تلخيص أهمها، وأهم مظاهرها في النقاط الآتية:
1. عزوف سلبي عن العمل السياسي، والمقصود هنا بتبلور حالة جماهيرية تتجاوز تلك الفردية، الأمر الذي من غير المستبعد أن يقود إلى خواء سياسي يمس مسيرة المشروع الإصلاحي، فيوجه سهامه نحو جوهره وبرامجه. هذه الحالة تؤدي بدورها إلى تجفيف مياه البحيرة السكانية المحيطة بالأسماك المخلصة للمشروع الإصلاحي ذاته؛ ما يضعه وبرامجه معه أمام احتمالين: الشلل التام الذي يجرده من روحه الإصلاحية ويحوله إلى هياكل قائمة دون أي بنيان، أو نمو طفيليات سامة، وفطريات مضرة، ولكل منها دور مختلف، في تلك البحيرة شبه الجافة، فيتحول المشروع إلى مستنقع راكد، بعد أن كان نهراً حارياً. ولا ينبغي هنا، استبعاد حصول الاحتمالين وتزامنهما أيضاً.
2. تفكك سياسي في التنظيمات القائمة، وبدأنا نشهد بعضاً من علاماتها في أكثر من جمعية سياسية، ممن كانوا مندفعين بتفاؤل في الدفاع عن التحولات التي عرفتها البلاد على امتداد السنوات العشر الماضية. مثل هذا التفكك التنظيمي، يفسح في المجال أمام ظاهرتين، الواحدة منهما أسوأ من الأخرى: بروز العناصر الانتهازية داخل بعض التنظيمات، وتسلقها حتى تتولى مناصب قيادية في تلك التنظيمات تتيح لها التحكم في خط سيرها ومن ثم حرف مسيرتها، أو فراغ تنظيمي سياسي يتيح الفرصة، إما إلى بروز تكتلات انتهازية جديدة، تتسربل في أردية تحمل يافطات براقة ومغرية، أو، وهو الأسوأ، بروز شخصيات انتهازية تغتنم فرصة الشلل المحيط بالتنظيمات كي تفتش لنفسها عن مقاعد سياسية قيادية تتبوأها، وتستخدمها لمصالحها الذاتية؛ ما يمهد الطريق أمام سيادة فكر انتهازي متكامل يسيطر على التفكير السياسي للمجتمع، ويخلق مدرسة انتهازية يتطلب التخلص منها ومن ذيولها جهوداً جبارة تمتد إلى فترات طويلة.
3. تناحر اجتماعي عبثي يستمد مقومات تبلوره واستمرار تناميه من حالة الإحباط السائدة، حيث تنتكس حراب الصراع نحو الداخل، أي باتجاه صفوف المعارضة، بدلاً من انطلاقها نحو الخارج، أي باتجاه صدور السلطة التنفيذية ومؤسساتها المرتبطة معها. ويتطور ذلك التناحر كي يقفز إلى مقدمة قائمة الاختلافات، ويصبح هو التناقض الرئيسي؛ ما يفقد المعارضة الكثير من قدرتها على التعبئة لصالح مشروع وطني ديمقراطي، الذي يأخذ في التآكل من الداخل، كي ينشطر إلى برامج فئوية تدافع عن مصالح ضيقة وآنية.
4. تفشي الأمراض السياسية المحبطة التي تمهد التربة لنمو تيارات إرهابية تنفس عن إحباطها في عمليات عنف عبثية مجردة من أي أهداف سياسية، باستثناء تنفيس الاحتقان السياسي، والتعبير عنه في أشكال عمليات عنيفة، تقود المجتمع نحو المزيد من التأزم، الذي يحرم ذلك المجتمع من إمكانات تطور تدريجي بطيء، لكنه سلمي وراسخ، وغير قابل للتراجع.
من أجل القضاء على حالة الإحباط هذه، ومن ورائها أمراضها التي ترافقها، لابد من تبلور حالة سياسية جديدة تعبّر عن نفسها في شكل تيار سياسي متجدد، لا يحمل أمراض الماضي، لكنه يستفيد من تجارب الحركة السياسية البحرينية الغنية وخبراتها. على هذا التيار أن يخرج سليماً معافى من رحم تلك الحركة السياسية بعد أن يغتسل في مياهها الجارية البعيدة عن تلك الآسنة. وفي غياب ذلك، ربما يصبح من الصعب تحصين المواطن ضد جرثومة الإحباط السياسي المتربصة به وتتهيأ للانقضاض عليه.
 
الوسط - 13 نوفمبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro