English

 الكاتب:

عبدالله النيباري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

إلى أين ستأخذنا الحكومة «أم راسين»؟
القسم : سياسي

| |
عبدالله النيباري 2010-12-12 08:19:58


المشهد السياسي في الساحة الكويتية في منتهى البؤس والتعاسة، ويحمل في طياته أخطر ما مرت به الكويت، فهو معبأ بكل الاحتمالات التي قد لا تنحصر في الصراع داخل قبة عبدالله السالم ولا تقتصر عليه، وإنما قد تتمدد الى الشارع السياسي وقد تؤدي، ونحن على أبواب سنة جديدة، الى سنة يسودها الاضطراب والمواجهات بين السلطة والمواطنين، وتنذر بتحول الكويت من ساحة أمن واستقرار الى ساحة اضطراب ومصادمات.
فإلى أين تريد ان تأخذنا وتأخذ البلد حكومة ناصر المحمد، الحكومة «أم رأسين» حسب تعبير احمد الفهد، وهو طبعا الرأس الاكبر بما يحظى به من دلال ودعم؟.
ظاهر الامور ان الحكومة، أو سمو رئيس الوزراء، مسكونان بنزعة الانتقام من النائب فيصل المسلم، لانه تجرأ وكشف ما يمكن اعتباره شبهة رشوة لنائب في مجلس الامة، وهو النائب السابق المحترم ناصر الدويلة، سلاحها في ذلك الوصول الى تجريم عملية إبراز صورة شيك ـ موضوع شبهة الرشوة ـ واستصدار حكم قضائي قد يؤدي الى نزع عضويته، وربما حرمانه من الترشح، وفي الوقت نفسه تثبيت سابقة يكون من شأنها شل السلطة الرقابية لمجلس الامة وتعطيلها بكسر سور الحصانة الذي وفرته المادة 110 من الدستور، التي نصت على «ان عضو مجلس الامة حر فيما يبديه من الاراء والافكار في المجلس ولجانه ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بأي حال من الاحوال».
وعبر ذلك، تريد الحكومة تخويف أعضاء المجلس الحاليين والقادمين، وتحذيرهم من ان يطالهم ما قد يطال العضو فيصل المسلم ـ اذا ما تحقق لها ما تريد ـ وبذلك يتحقق لها تحويل مجلس الامة الى مجلس «لا يهش ولا ينش»، مجلس منزوع الأسنان والمخالب.
وهذا يعيد الى الذاكرة المحاولات السابقة لتعديل الدستور التي بدأت منذ اصدار قوانين عام 1964، ثم تزوير انتخابات 1967، ثم حل مجلس الامة بلا مسببات عام 1976 وتشكيل لجنة تعديل الدستور التي رفضت التعديلات المقدمة من الحكومة، ثم التعديلات التي قدمتها الحكومة لمجلس 1981 الذي جاء بعد تعديل الدوائر من 10 دوائر الى 25 دائرة، لتسهيل السيطرة عليها بنقل الاصوات واسقاط المعارضة، ثم حل مجلس الامة عام 1986 والاقدام عمليا وفعليا على تعديل الدستور من جانب السلطة، ومن دون اتباع ما نصت عليه المادة 175 من الدستور من ان التعديل يجري بارادة المجلس وسمو الامير رئيس الدولة، فالمجلس قد حُلَّ والدستور معلق ونتيجة التعديل استزراع نبت شيطاني مصطنع سمي بالمجلس الوطني، نصفه معين ونصفه منتخب في انتخابات قاطعها الكويتيون.
ثم لجأت السلطة بعد التحرير الى اعادة المجلس الوطني، مناقضة بذلك اتفاق جدة الذي التزمت فيه باعادة العمل بالدستور وحسن تطبيقه، وتشكيل حكومة بالتشاور واجراء انتخابات عامة، وهو ما تحقق نتيجة للرفض الشعبي وموقف القوى السياسية الذي ينذر بالعودة الى أجواء التظاهرات الشعبية، فيما عرف في التراث السياسي بتجمعات دواوين الاثنين، فهل هذا ما تريده السلطة وحكومتها «أم رأسين»؟
وهل يصب هذا المسعى الشيطاني في تعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية ومحاربة الفساد، أم انه سيؤدي الى زعزعة الامن والاستقرار وتعطيل حتى برامج التنمية المتواضعة، وتحويل الـ35 مليار دينار لتنمية الفساد الذي عجزت عن حمله البعارين، على حد القول الشائع؟!.
ولكن ما تريده الحكومة وتسعى اليه دونه خرط قتاد الاسلحة القانونية وردود الفعل الشعبية.
في السنوات الثلاث الاخيرة شاع التذمر من تصرفات وممارسات بعض اعضاء مجلس الامة نتيجة الممارسات التي كانت تصنف بأنها خروج على القواعد والتعسف في استخدام الصلاحيات الدستورية، ولهجات التهديد والوعيد والاستجوابات 
التي لم يكن بعضها مقنعا ومبررا للرأي العام، وتدني مستوى الخطاب البرلماني، والسجال الهابط والمشاجرات والتقاذف بكؤوس الماء، لكن ما أقدمت عليه الحكومة وما تقدم عليه أشنع بكثير من ممارسات الاعضاء الذين هم، أو معظمهم، ليسوا نتاج مؤسسات سياسية وإنما هم افراد تحركهم ردود الافعال والمصالح الانتخابية، وربما المنافع والنزعة الى كسب الشعبية لإعادة انتاج انفسهم على حساب مصالح الناس، وتحميل الدولة اعباء لا مبرر لها سوى كسب الارضاء، لكن مسلك الحكومة فاق بمراحل ما سمي بتعسف النواب. فكيف نفهم ان حكومة تقدم طلب رفع الحصانة عن نائب ثم تتخلف عن حضور الجلسات وتعطلها، وتحول دون استكمال الإجراءات الدستورية في طلب هي التي تقدمت به؟ لماذا؟ لأنها غير ضامنة تمرير ما طلبته بعد ان رفضت اللجنة التشريعية طلب رفع الحصانة، فلجأت الحكومة عبر ثلاث جلسات الى استخدام غياب اعضائها، فيما عدا المحلل زائد ضمان تغيب الاعضاء الذين ارتضوا لأنفسهم ان يكونوا «كارتا» في جيب الحكومة، وهو أمر يحمّل النواب المتغيبين أيضا مسؤولية الاخلال بأداء واجبهم، فمن غير المعقول ان ذرائع التغيب بظروف خاصة استمرت للنواب أنفسهم على مدى ثلاث جلسات.
والسلطة، أو الحكومة، تتصرف وكأنها ضمنت ان كل السلطات التي نص الدستور على استقلاليتها أصبحت في جيبها ومتأكدة من ان نتائج أعمالها وممارساتها ستأتي لمصلحتها مثل ما حصل بالنسبة للسلطة التشريعية.
هذا المسعى يبدو بجلاء انه مسعى عبثي، فدونه الادوات القانونية ومواجهة الجماهير.
فالمواجهة القانونية عقبة كأداء وباب مقفل في وجه مساعي السلطة، فيكاد يجمع أغلب القانونيين المحايدين الثقات على أن المادة 110 من الدستور واضحة وصريحة في ان النائب حر فيما يبديه من آراء وأفكار في المجلس ولجانه، ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بحال من الاحوال لا جنائيا ولا مدنيا، فرأي الدكتور محمد الفيلي واضح بأن ابراز الشيك في الجلسة عمل مباح ولا يشكل جنحة أو جريمة وفق نص المادة 110 (القبس 6/12/2010 ص 16)، وكذلك رأي العديد من القانونيين، وهذا الرأي أصبح الآن مسنودا ومدعوما بحكم قضائي، وهو حكم المحكمة الابتدائية في القضية التي رفعها علي الخليفة العذبي ضد مسلم البراك على ما أبداه من آراء في جلسة استجواب وزير الداخلية بشأن اللوحات الارشادية، مدعيا ان النائب تناوله بالسب والقذف فأصدرت المحكمة الابتدائية حكمها برفض الدعوى بناء على حصانة العضو وعدم مؤاخذته وفقا للمادة 110 من الدستور، وبعد ان استأنف المدعي اصدرت محكمة الاستئناف حكمها (مشار اليه في مكان آخر) برفض الدعوى وتثبيت حكم «الابتدائي» استنادا الى المادة 110من الدستور، وجاء في الحكم «ان عضو مجلس الامة حر فيما يبديه من الآراء والافكار بالمجلس ولجانه ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بأي حال من الاحوال»، ويمضي منطوق الحكم ليؤكد أنه: «وكان من المستقر عليه ان قاعدة عدم المسؤولية عن الاعمال البرلمانية من القواعد التي استقرت عليها التقاليد البرلمانية، فبدونها يستحيل على النائب ان يشعر بالحرية والطمأنينة وهو يؤدي عمله، وتعني هذه القاعدة ان ممثل الامة لا يمكن مساءلته جنائيا او مدنيا عن آرائه وافكاره وأقواله التي يبديها داخل المجلس ولجانه، وتكون لازمة لأداء وظيفته النيابية، وان تضمنت سبا أو قذفا في حق الغير فلا النيابة العامة تستطيع ان تحرك الدعوى العمومية ولا المضرور يستطيع ان يطالب بتعويض عما أصابه من سب وقذف ولكن المجلس يستطيع مؤاخذة النائب في الحدود التي تقررها اللائحة الداخلية اذا وجد انه تعدى الحدود المشروعة».
السؤال هو كيف لم تتوقف النيابة العامة أمام هذا الحكم والقانونيون يقولون كان يتعين عليها حفظ الشكوى التي تقدم بها بنك برقان؟ ثم كيف لم يقف وزير العدل وهو شخصية فاضلة ومحترمة ورئيس مجلس القضاء الاعلى سابقا أمام هذا الحكم؟ ويتساءل القانونيون: وزير العدل تسلم طلب النيابة العامة برفع الحصانة بتاريخ 7/11/2010 ورفع كتابا بالطلب الى مجلس الامة بتاريخ 9/11/2010 فهل تمت في هذه الفسحة الضيفة من الوقت دراسة الجوانب القانونية والدستورية وما قد تؤدي اليه من تداعيات، وهي الحالة التي دحرجتنا الحكومة اليها وخلفت وضعاً مأزوما وصراعا مفتوحا على كل الابواب؟!
وأين عقلاء الحكومة الذين يفترض فيهم انهم القيادة الادارية والسياسية للبلد فالوزارة هي المهيمنة على مصالح الوطن والمواطنين؟
القانونيون، وعقلاء السياسيين كذلك يعتقدون انه تم التعامل مع هذه القضية بشيء من التعجل لدرجة الاستخفاف.

أين الجريمة؟

هناك تساؤل آخر يتعلق بالعوائق القانونية، وهو أين الجريمة وأين الفعل المجرم؟ فكشف النائب في جلسة مجلس الامة لشيك يحمل شبهة الرشوة عمل مباح لا يؤاخذ عليه ولا يشكل جريمة.
ومسار صرف الشيك، كما يقول تقرير النيابة، هو ان مدير الفرع بعد ان تسلم الشيك من المستفيد وهو العضو السابق ناصر الدويلة سلمه حالا لموظف في البنك لتحويله الى حساب المستفيد الذي تم فتح حساب باسمه (خلافا لما ذكره الدويلة في ندوة تلفزيونية بانه حوله لمكتب المحاماة في دبي)، وهنا ايضا يرى القانونيون أنه كان على النيابة ان تنظر في الموضوع باعتبار وجود شبهة الرشوة.
واستأنف الشيك مساره بأن قام موظف البنك عز المزيني باجراء اللازم باعتماده من المدير ونائب المدير، نظرا لكبر المبلغ، 200 الف دينار، وسلمه لموظف آخر قام بتخريم الشيك، وبعد ان تم تحويل المبلغ، الى حساب المستفيد، تم تخريم الشيك وحفظه مع بقية أوراق المعاملة في خزانة محصنة.
تقرير النيابة بتوجيه الاتهام الى مدير البنك، والى النائب فيصل المسلم لم يذكر أي عناصر تدل على قيام مدير فرع البنك بتصوير الشيك وتسليمه للنائب الذي اصبح شريكه في الجريمة الا عنصراً واحداً، وهو ان مدير البنك يسكن في الدائرة الثالثة التي انتخب عنها النائب المسلم، لم يشر التقرير الى أي علاقة معرفة أو صداقة أو قرابة أو لقاءات أو اجتماعات، لا توجد أي اشارة لذلك سوى مسكن المدير في المناطق السكنية المشمولة بالدائرة الثالثة، كما ان البنك لم يوجه تهمة لا الى مدير البنك ولا لأي موظف السؤال هو اين الجريمة؟ هنالك شبهة في جريمة واحد هي احتمال ان الشيك يمكن ان يكون رشوة وهنالك راش ومرتش، وهو ما كان يجب ان تحقق فيه النيابة،
وهو ما يؤدي في أي بلد آخر فيه دستور وقانون ومؤسسات محترمة، الى ان يتنحى الراشي والمرتشي وليس من كشف شبهة الرشوة.

http://www.taleea.com/newsdetails.php?id=14175&ISSUENO=1873

الطليعة - 8 ديسمبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro