English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هواجس الأمن العربي المتخلفة
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-12-15 07:46:50


بين تنديد وزير الإعلام الكويتي السابق سعد بن طفلة العجمي وعضو مجلس الأمة الكويتي وليد الطبطبائي بإقدام «السلطات الكويتية على إغلاق مكتب قناة «الجزيرة» على خلفية تغطيتها لضرب رجال الأمن نواباً بالبرلمان واستضافتها النائب المعارض مسلم البراك الجمعة الماضي، في برنامج «ما وراء الخبر»، ورد وزارة الداخلية الكويتية الذي اتهمت فيه «قناة الجزيرة بأنها نقلت صورة مجافية للحقيقة وصورت الأوضاع في البلاد بشكل مغاير لما جرى»، وتصريح مدير مكتب «الجزيرة» الموقوف عن العمل سعد السعيدي، الذي قال فيه «إن وزارة الإعلام الكويتية اعترضت على استضافة النائب المعارض مسلم البراك في إحدى البرامج على «الجزيرة» وطالبت بمنع إذاعة الحلقة فيما رفضت الجزيرة الامتثال لهذا الطلب، داعية الوزارة لاستضافة أحد من أقطابها للرد على النائب بناء على قاعدة الأخذ بالرأي والرأي الآخر»، وقف المواطن العربي المتابع لهذه الأحداث مشدوهاً لتكرار مثل هذه المشاهد في العديد من العواصم العربية، وتحديداً مع قناة «الجزيرة». فتَحْت شعار «منع تشويه الصورة»، ومبررات «الحرص على نقل الحقيقة»، لا تكفّ أجهزة الأمن العربية، متسترة تحت أردية تمويهية رسمية، عن مطاردة المؤسسات الإعلامية، وخاصة العربية من أجل تجريدها من حقها في تغطية الإخبار في العواصم العربية، عندما تطرأ عليها أخبار تتعلق بالصراع بين المعارضة والسلطات الحاكمة، أو حينما يحدث ما تراه هذه الأخيرة أنه لا يحقق أغراضها. يكشف هذا السلوك السلطوي الحقائق المرة التالية بشأن الأنظمة العربية والمؤسسات التابعة لها:
1. هشاشة الأجهزة الأمنية العربية، وضعف أدائها من جهة، ووضع مصادرة حق المواطن، بدلاً من حماية البلاد من الأخطار الخارجية، في أعلى درجات سلم أولوياتها من جهة ثانية. فلو كان الأمر خلاف ذلك، فما الذي يخيف نظام عربي، فيما لو كانت دعائمه راسخة، من تصريح صحافي لهذا السياسي النشط، أو مقابلة متلفزة مع ذلك المعارض. لكن، وكما يثبت سير الأحداث، فإن أكثر ما تخشاه أجهزة الأمن العربية، دون أي استثناء، أن تفقد «ثقة» الحكام الذين تدافع عنهم، جراء تسرب أخبار مختلفة عن تلك التي لا تكفّ، أجهزة الإعلام العربية، مستندة إلى خلفياتها الأمنية، عن «تلميع صورة الحاكم العربي»، كي تواصل المرآة تكرار تراتيلها اليومية، بأن صورة أي واحد منهم هي الأبهى، والأجمل. ويغيب عن أذهانها، وهي تحت هذه الحالة من التخلف، ما وصلت إليه أساليب بث وسائل الإعلام الحديثة للمواد التي بحوزتها. فتصوير حادثة معينة، لم يعد يحتاج إلى آلة ضخمة، تسيّرها مولدات طاقة عملاقة، وطاقم من الفنيين، وأجهزة اتصال ضخمة، كما كان عليه الأمر في العصور الغابرة، إذ إنه في وسع الإعلامي الذكي اليوم، أن يقوم بكل ذلك، وبأداة صغيرة، لا يتجاوز حجمها الهاتف النقال، إن لم يكن الهاتف النقال ذاته.
2. تخلف أجهزة الرقابة العربية التي لا تكفّ عن مصادرة كتاب هنا، أو منع شريط فيديو هناك، وكأنها لاتزال تعيش في عصر ما قبل الإنترنت، إن لم يكن قبل ذلك بعصور، عندما كان في وسعها، على الطريقة الستالينية، إغلاق حدودها السياسية، لضمان عدم تسرب أي شيء، من وإلى تلك الحدود، قبل أن يخضع لرقابتها أولاً، ويحظى بموافقتها ثانياً.
وفي السياق ذاته، لاتزال تلك الأجهزة محكومة بوهم أن الإعلام هو حق مقدس للدولة، والسلطة التي يمثلها، ولا يحق لكائن من كان أن يستخدمه، دون أخذ موافقتها، ومن ثم نيل رضاها، بما في ذلك أطراف المعارضة الشرعية التي تعمل في نطاق الدستور، وتحت مظلة الأنظمة التي شرعها.
3. ضعف ثقة الأنظمة العربية ذاتها، في نفسها، فالأجهزة الحاكمة العربية، وخاصة الأمنية منها، لاتزال تعيش، وتمارس أعمالها، وفقاً لمقاييس وقيم القرون السابقة، سواء فيما يتعلق بمفهوم الأمن، أو فيما يخص المواطنة، فهي لا تستطيع أن تتعايش إلا من صنف واحد من المواطنين، هو ذلك الذي ليس من حقه أن يفتح فمه إلا لكي يستذكر ما لقن به، والذي هو في الغالب، تسبيح بحمد النظام، وشكر له على فضائله التي ينعم بها على ذلك المواطن. وما إن يخرج لك المواطن بوصة واحدة عن ذلك الصراط، حتى تهبّ أجهزة الأمن العربية كي تلقنه الدروس في قيم المواطنة، و»فضائل الولاء».
مرة أخرى، ليس ما جرى في الكويت سوى دليل آخر، على ما يمكن أن نطلق عليه «هواجس الأمن العربي المتخلف»، التي لا تستطيع أن ترى أبعد من أنفها، ولذلك نجد أنفسنا، مقارنة بشعوب العالم الأخرى، بما فيها تلك التي تقطن في قارات آسيا وبعض دول إفريقيا، نغرق في رمال تلك الهواجس المتحركة والمتخلفة، التي ليس هناك أسوأ منها في القدرة على تحويل الإنسان من حالة إبداعية مبتكرة ومتمردة على الواقع الراكد، إلى كائن ساكن، لا يستطيع أن يتخلص من مخاوفه التي زرعتها فيه تلك الأجهزة الأمنية العربية المتخلفة.
إن بناء المواطن الصالح، المنغرسة فيه قيم المواطنة والولاء، لا يمكن أن يتم من خلال أجهزة الأمن والرقابة، وإنما عبر بناء علاقات سليمة ومتكافئة، بين أهل الحكم وأطراف المعارضة، خاصة عندما تمارس المعارضة دورها عبر القنوات الدستورية، وفي نطاق موادها.
 
الوسط - 15 ديسمبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro