English

 الكاتب:

غسان سرحان

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

يومٌ في حضرة الشهيد \أنس عمارة\
القسم : شؤون عربية

| |
غسان سرحان 2013-04-05 17:51:12




قبل أيام معدودة، وفي الثاني من إبريل عام 2013م... وبين دوشة الأخبار اليومية التي يقع عليها النظر أو يصطادها السمع، تسمرت لساعات مدهوشاً أمام خبر استشهاد الرفيق والصديق \"انس عمارة\" - أحد الشباب السوري الثائر- بقذيفة هاون في \"الغوطة السورية\"، لم أشأ أن أصدق الخبر في البداية واعتقدت أنه مزحة فجة تحت مسمى كذبة أبريل، ولكن الأوضاع السورية تنبئ بالسيئ دائماً.

شاءت الأقدار أن تتأكد صحة الخبر, ويكون خبر خوض \"أنس\" للتجربة القصوى - تجربة الموت شهيداً- حقيقة، عندها واجهت جدلاً داخلياً طويلاً حول الكتابة عنه، فلقد جمعتني به علاقة قصيرة نسبياً لا تكفي لأن أكتب عن تفاصيل حياته، ولكن شعوراً بالغضب والقهر والحزن ورغبة جامحة بالبوح تدفعني للكتابة، لذا سأكتب عنه وإليه وأنا لا أملك إلا قلباً يعصره الألم، ولساناً ينضح مرارة.

تعرفت على \"أنس\" عن طريق رفيق غالٍ جداً على قلبي، في صباح أحد أيام فبراير عام 2012م بالعاصمة السورية \"دمشق\"، وبالتحديد في اليوم الذي تم فيه تفجير مبنى المحافظة في العاصمة الاقتصادية \"حلب\"، معلنةً دخولها دائرة الاشتباكات العسكرية، كان صخب أفكاره عالياً لدرجة أنني أستطيع سماعها دون أن يحتاج هو إلى الكلام، سألته عن أخبار الحراك السوري ورأيه فيما يحدث في ذاك البلد، وعن مدى فائدة جر الحراك إلى ساحة العنف والعمل العسكري، وانعكاسه على الحراك، فمع حرب الأجندات الإعلامية لا يمكن لنا أن نعرف حقيقة ما يدور على أرض الواقع.

أجاب وهو مستسلم بكل جوارحه لدفئ داخلي ينعش قواه قائلاً \" انطلقت الثورة السورية كثورة شعبية تقدمت صفوفها الطبقات الشعبية التي اندفعت نحو الساحات بكل جرأة وعنفوان لتنتزع حريتها وحقوقها المسلوبة من قبل نظام استبدادي عمل على نهب الدولة والمجتمع لعدة عقود، ووجهت هذه التحركات بعنف غير مسبوق من قبل النظام السوري محاولاً إخضاع بيئات شعبية كاملة بالعنف المسلح مما اضطر الثورة للدفاع عن نفسها، وهكذا برز العمل المسلح كشكل من أشكال النضال اليومي\"، كان يفتح شفتيه ويضمهما بسرعة كبيرة، ويشد على مخارج الحروف كلما نطق بكلمة \"الطائفية\"، كما لو أنه يمنع نفسه من الصراخ مختزناً قواه للسؤال القادم، مشدداً على \"أن الشعب السوري الثائر لا يناضل اليوم من أجل انتزاع مكاسب طائفية، بل من أجل مكاسب وطنية عامة، إن هذا الشعب العظيم يقدم خيرة أبنائه يومياً قرابين للحرية ولدولة مدنية تؤمن الحياة الكريمة والحرية الشاملة للجميع\".

سألته عن دور اللاعبين الدوليين والإقليمين في الساحة الداخلية، فأجاب \" لقد تركت الثورة لمصيرها ولمآسيها لأن الدول الامبريالية والإقليمية كأمريكا، الدولة الصهيونية، روسيا، إيران، بعض دول الخليج العربي لديها مصلحة في إضعاف سوريا كدولة، وهذا هدف مشترك لجميع اللاعبين الدوليين سواء من يدعمون النظام أو من يدعون معاداته\".

هذا ما جرنا للنقاش حول الوضع العربي وقضيتنا المركزية \"فلسطين\" -فهو أولاً وأخيراً ابن فلسطين، استمر النقاش حتى الساعات الأولى من فجر اليوم التالي، وعندما أنهكت قواي أمام نبع نشاطه الذي لا ينضب، قررت الرجوع إلى غرفتي بأحد فنادق دمشق، والذي يقع بين مبنى المحافظة ودوار السبع بحرات – مقر اعتصامات أنصار النظام السوري- وقرر \"أنس\" بإيعاز من رفيقنا أن يمشي معي حتى الفندق لنكمل حديثنا حسب إدعائه، والحقيقة بأنه رافقني ليتأكد من وصولي بسلام.

اتفقنا تلك الليلة على أننا نحن أبناء محنة الحرية لسنا معنيين بواشنطن وأتباعها أو بتقديم وسائل الشفاء لها، فبالتأكيد لسنا معنيين أبداً بها سواء فطست أو عاشت، ولن نضيع الوقت في ثرثرة عقيمة ولغو يبعث على الاشمئزاز حول تلك الولايات المجرمة، التي لا تفرغ عن الكلام على الإنسان، وهي وحلفاءها تقتله جماعات حيث تجده.

بل مطلوب منا نحن من عرفنا الاضطهاد عارياً أن نتوحد في وجه الغطرسة الاستعمارية \"لليانكيز\" وحلفاءهم، وفي وجه أنظمة القهر والاستبداد الخادمة لمصالحهم من المحيط إلى الخليج \"ومن ضمنها النظام السوري\"، وأن لا نأخذ صورة الثورة من أولئك الذين يركبون على تضحيات الشعب العربي ويتحدثون باسمه، أولئك البشر الذين اصطفتهم واشنطن والعواصم الاستعمارية الفجة لترسم على جباههم بالحديد الأحمر كما قال \"جان بول سارتر\"، وحشت أفواههم بأشياء رنانة وبكلمات كبيرة لزجة تلتصق بالأسنان، كالسلام بين الصهاينة والعرب وحق الكيان الغاصب في الوجود، أو الصديقة الكبرى أمريكا أو دعمها لثورات الربيع العربي أو أو أو أو...إلخ، ليكرروها على الملء باسم الثورة.

كانت تلك آخر ليلة أراه فيها وظللنا على تواصل إلكتروني حتى صم آذاننا وأدمع أعيننا وقلوبنا دوي قذيفة هاون راح ضحيتها الرفيق والصديق الشهيد \"أنس عمارة\"، لنفقد بها واحداً من الشباب المناضلين الفلسطينيين السوريين العرب.

باعدتنا المسافات يا رفيقي وجمعنا حلم مشترك، وها أنت يا أبن فلسطين الجميلة تختار الموت في أبها حلةٍ، فنحن سنموت عاجلاً أو آجلاً وأفضل حالة للموت هي تلك التي اخترتها لنفسك، فلقد اخترت الموت كما قال الشهيد كنفاني \"شاعراً فارساً تمتطي صهوة الصحراء الجاهلية يدك على كأسك الأخيرة وعينيك على النزيف الشريف\"، أنت الآن بين رفاقك تقاتل وتراقبهم حتى النصر المظفر، وكما قال معين بسيسو \"وإذا سقطنا يا رفيقي في جحيم المعركة... فانظر ترى علم يرفرف فوق نار المعركة... يحمله رفاقك يا رفيق المعركة\" ، وتكريمك سيكون بحملنا علم الحرية حتى اليوم الذي ينتصر فيه الوطن، فنم قرير العين يا \"أبو مالك\".

رفيقك غسان سرحان

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro