جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - العدالة أو سيبقى الالم في الذاكرة

English

 الكاتب:

غسان سرحان

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العدالة أو سيبقى الالم في الذاكرة
القسم : حقوق انسان

| |
غسان سرحان 2014-05-19 00:32:04




 

 

وقف امامنا صامتاً للحظات قضاها يتفحص وجوه الحاضرين، شعره ابيض بالكامل وتملئ التجاعيد وجهه، كنا عندها نحتل زقاق داخل المتحف، كان المكان دافئاً وصرنا نفتح أزرار معاطفنا لنخلعهم، لم تكن المعاطف ما فتح فقط بل قلبونا ايضاً، فمكان أقيم على آثار مذبحة لا يمكن أن يسمع أو يرى أو يشرح إلا بالقلب.

 

لم تكن البداية صعبة عليه فلقد استغل لحظات تأمله جيداً ليستجمع قواه، عندها فقط بدأ الكلام بصوت ثابت: "أيها السيدات والسادة إن أخي هو أول شهيد يسقط برصاص الجيش البريطاني يوم اقيمت مجزرة "ديري" في العام 1972 وقد كان يبلغ من العمر عندها سبعة عشر عاماً.

 

آخر مرة رئيته حياً فيها كانت قبل بدأ المسيرة بلحظات قلت له أحذر - فتلك كانت أول مسيرة يشارك فيها- وافترقنا ليلتحق هو بمجموعة من رفاقه وانا بالمجموعة التي تعودت التظاهر معها.

 

 بعد بدأ التظاهرة بلحظات فتح جنود الجيش البريطاني النار بإتجاهنا وقاموا بجرح وقتل العشرات من المتظاهرين، وعندما أدرت رأسي للخلف، رأيت مجموعة من الشباب ينقلون اخي من احد البيوت القريبة من هذا المتحف وهو غارق بدمائه، اسرعت باتجاههم وساعدت في ادخاله لسيارة الاسعاف التي انطلقت بي وبه إلى أقرب مستشفى، ليعلن الطبيب لحظة وصولنا بأن أخي قد فارق الحياة.

 

كنت ابلغ من العمر عندها خمسة وعشرين عاماً والآن ابلغ من العمر خمسة وستين عاماً، نعم أيها السادة لقد إنقضت اربعة عقود منذ استشهاد اخي وقد قضيتها وأنا أحاول أن اقدم مرتكبي الجريمة إلى العدالة، لذلك فأنا اعمل في هذا المتحف الذي يحتوي اثنان وثلاثين لوحة يشرحون ما حصل في ذلك اليوم".

 

قبل فترة سمعنا رئيس الوزراء البريطاني يعتذر الى ضحايا مجزرة "ديري"، فهل يعني لكم هذا الاعتذار شيئاً؟ هذا كان أول الأسئلة.

 

هنا وقد أعيته محاولاته الجاهدة ليبدوا سعيداً قال "بكل صراحة كان واحداً من أسعد الأيام في حياتي، ولكنه لا يعني شيءً دون أن ينال القتلة جزائهم العادل، نعم لقد كنت فرحاً جداً وسعيداً جداً وقلبي يقفز من شدة الفرح، وذلك لأنه بعد أربعين عام من النضال المستمر تمكنا أخيراً من رد الاعتبار لمن سقطوا في ذلك اليوم، فلقد أجبرنا حكومة التاج البريطاني على الإعتراف بأنها قتلت متظاهرين سلميين لم يفعلوا شيء سوى أنهم خرجوا في مسيرات يطالبون بحقوقهم، تمكنا من إنطاقهم بالحقيقة -التي نعرفها ولكنها تغيب عن جزأ آخر من المجتمع الايرلاندي- وهي أن اخي ومن قتلوا معه كانوا شباباً يافعين وأبرياء، وأن حكومة بريطانيا قد قضت اربعين عام تخفي الحقيقة وتحرفها وتدعي أنه ومن كانوا معه مجرمين وارهابيين.

 أما الآن فالمهمة الأخرى هي السعي لتقديمهم لمحاكمة عادلة لينالوا جزاء ما اقترفت أيديهم، واتمنى ان لا تستغرق اربعة عقود اخرى فلم يبقى في العمر الكثير".

 

بعد خمسة عشر عاماً من توقيع اتفاق الجمعة العظيمة بشمال ايرلاندا، هكذا ينضح لسانه مرارة ويعتصره الألم وهو يتذكر في كل يوم تلك اللحظات التي استشهد فيها اخوه ومجموعة من شباب منطقة "ديري" بشمال ايرلاندا، إن هذا الألم هو ما يحركه رغم ما بلغه من العمر، شغل كل عمره بملاحقة من ارتكب المجزرة ويعلم بأنه من غير تقديم القتلة إلى العدالة سيبقى الألم في الذاكرة وستبقى ظلال ذلك التاريخ الأسود مسيطرة عليه وعلى مستقبل أبنائه.

 

ونحن في البحرين كذلك، لكي لا تلقي قسوة السنوات الماضية بظلالها على مستقبلنا، لكي نغلق ملف تاريخ الاستبداد ولكي ينجح أي حل سياسي في طي صفحة الماضي، يجب في مقدمته أن يقدم المجرمون إلى العدالة، والا سنبقى محاصرين داخل اسوار الماضي. 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro