English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

انعكاسات انهيار أسعار النفط على اقتصاديات الدول المنتجة
القسم : اقتصادي

| |
رضي الموسوي 2015-03-05 09:07:31


انعكاسات انهيار أسعار النفط على اقتصاديات الدول المنتجة

ندوة مجلس الأستاذ أحمد جناحي-المحرق-4 مارس 2015

إعداد: رضي الموسوي

مقدمة:

لعلها مصادفة ومفارقة أن تعقد هذه الندوة في هذا المجلس الطيب بمضيفه وضيوفه في جريرة المحرق ليلة الخامس من مارس، يوم تفجر الانتفاضة الشعبية التي هبت فيها البحرين عن بكرة أبيها احتجاجاً على تسريح مئات العمال من شركة النفط بابكو التي فضلت العامل الأجنبي على العامل البحريني. كانت المحرق البؤرة الرئيسية للانتفاضة وسقط من أبنائها شهيدان برصاص الجيش البريطاني وأعوانه، بينما سقط أربعة آخرون في سترة ونويدرات والمنامة والديه، ليختلط الدم البحريني في تربة بلادنا الطاهرة. كان البحرينيون وقتها يشكلون أغلبية في بلادهم، وناضلوا من أجل عدم التمييز لصالح الأجنبي القادم من وراء البحار، لكن اليوم تحولوا إلى أقلية، ولا يزالون يناضلون من أجل المساواة وأحقيتهم في العمل في مختلف مرافق الدولة وفي قطاعيها العام والخاص وما بينهما.

وإذا كان النفط يفعل فعلته في الاقتصاد الوطني منذ اكتشافه في العام 1932 كأول دولة في مجلس التعاون يكتشف فيها النفط، حيث أزاح اقتصاد الغوص والزراعة وصيد الأسماك لتبدأ حقبة جديدة من الاقتصاد الوطني كان يمكن لاستثمارها أن تشهد بلادنا تنوعاً حقيقياً في مصادر الدخل، فإن اعتماد بلادنا على النفط بنسبة تقترب من 90 بالمئة في إيرادات الموازنة العامة، الأمر الذي يؤكد عدم الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية الناضبة، كما يؤكد على ضرورة تعليق الجرس وقرعه بقوة للبدء في استرتايجية مغايرة للنهج الذي ساد طوال عقود طويلة والذي يطبق المثل الشهير "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب". وهو نهج يعبر عن غياب الإستراتيجية الحقيقية للتنمية المستدامة، تضع بلادنا عرضة للتقلبات التي تشهدها سوق النفط، وهو الأمر الذي حدث عدة مرات خلال العقود الأربعة الماضية.

إن دراسة واستنباط الدروس من النهج الذي ساد ومقارنته بالدول التي وظفت ثرواتها الطبيعية لبناء اقتصاديات متنوعة المصادر، أصبح من الضرورة بمكان وليس ترفاً فكرياً أو تمنيات بعيدة المنال، حيث يبرز النموذج النرويجي في طريقة استثمار والتعاطي مع النفط مطلع سبعينات القرن الماضي. 

فبعد ثمانين عاماً من اكتشاف النفط في البحرين، لا يزال السؤال الأبرز: أي تنمية حقيقية انجزتها الثروة النفطية؟ وماذا بقى من هذه الثروة للأجيال القادمة؟ 

كل الدلائل تشير إلى أن بلادنا آخذة في الاستدانة من الداخل والخارج بسبب عجز الموازنة التي تعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط المتدهورة. فقد بلغ الدين العام أكثر من 5.6 مليار دينار، ومرجح له أن يصل إلى أكثر من 7 مليارات دينار مع نهاية العام الجاري 2015، وذلك نظراً للعجز المستمر في الموازنة وانهيار أسعار النفط التي ينبغي أن تصل إلى نقطة التعادل بسعر يتراوح تقديراته مابين 120-130 دولار للبرميل، بينما هو اليوم اقل من 60 دولار، الأمر الذي تفقد الموازنة أكثر من 50 بالمئة من عائدات النفط، ما يرجح تضاعف الدين العام وكذلك فرض إعادة التفكير في سياسة الدعم وإعادة توجيهها للشرائح الأكثر احتياجا. وحيث رشحت أنباء عن التوجه الرسمي والنيابي لاعتماد سعر 60 دولار للبرميل في موازنة 2015، فإن العجز في الموازنة العامة لن يقل عن 4.380 مليار دولار أي ما يعادل 1.65 مليار دينار بحريني، الذي بإضافته إلى الدين العام الحالي فان سقف الدين سوف يتجاوز 7 مليارات دينار، وهو السقف الذي تم تحديده بمرسوم قبل عدة أشهر. إن تعظم الدين العام قاد إلى تراجع الواقع المالي لبلادنا من حيث التصنيف الائتماني الذي بدوره يقود إلى تصعيب الاقتراض الخارجي وزيادة فوائد الدين التي تصل اليوم إلى 300 مليون دينار وفق مصادر مجلس الشورى.

هذا الوضع المربك سوف ينعكس على واقع الخدمات والمرافق العامة وسيزيد من تعقيد الأزمات المعيشية مثل أزمة الإسكان والبطالة والأجور المتدنية وسيؤثر بلا شك على التعليم والتطبيب.

ان انعكاسات انهيار أسعار النفط على الدول المنتجة كبير جداً وربما هي في نفس الوقت تشكل انفراجاً لاقتصاديات الدول المستهلكة، وخصوصاً في أوروبا ودول أسيا، التي لا تزال تعاني من ذيول الأزمة المالية أواخر العام 2008. وفي هذه الورقة نحاول تسليط الضوء على هذه الانعكاسات، ونعرج على النموذج النرويجي الناجح حتى الآن. 

أولاً: انعكاسات انهيار أسعار النفط على دول مجلس التعاون الخليجي

تنتج دول مجلس التعاون الخليجي نحو 18 مليون برميل يومياً، منها 9.5 من السعودية. وتشير إحصائيات المؤسسات المالية الدولية إلى أن عجز موازنات دول مجلس التعاون الخليجي سوف تصل هذا العام إلى قرابة 80 مليار دولار، ومتوقع أن يكون العجز الأكبر في الموازنة السعودية بنحو 38.7 مليار دولار، تليها الكويت بنحو 27.8مليار دولار على أساس سعر 45 دولار للبرميل وحجم إنتاج 2.7 مليون برميل يومياً. ومن المعروف أن دول المجلس تتمتع باحتياطي نقذي كبير قفز من 75 مليار دولار في العام 2000 إلى 800 مليار في العام 2011 ثم بلغ 904 مليار دولار في العام 2013، منها 737.7 حصة السعودية، بينما يقدر معهد المالية الدولية احتياطيات دول التعاون النقدية بنحو 2.45 تريليون دولار. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن دول التعاون قادرة على تمويل العجز لمدة 5 سنوات. بينما يقول البنك الدولي إن دول مجلس التعاون سوف تتكبد خسائر قدرها 215 مليار دولار خلال الأشهر الستة المقبلة في حال استمرار سعر النفط يحوم حول 50 دولار، بينما قدر صندوق النقد هذه الخسائر بنحو 300 مليار دولار.

وتشكل عائدات النفط في المنطقة نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي و75 بالمئة من عائدات الصادرات في العام 2013، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق والأكثر تضرراً من تدهور أسعار النفط. 

هذا الوضع فاد دول التعاون إلى إعادة النظر في طريقة الدعم المقدم الذي يستنزف الموازنات العامة، كما قادها إلى التفكير في تنويع مصادر الدخل. ففي البحرين مثلاً يشكل الدعم نسبة كبيرة من الموازنة العامة حيث بلغ في العام 2013 مبلغ قدره 1.53 مليار دينار أي ما يعادل 4 مليارات دولار أمريكي، يذهب أغلبها إلى دعم منتجات النفط والغاز بمقدار 878 مليون دينار (2.322 مليار دولار)، بينما يذهب لدعم الكهرباء والماء مبلغ 350 مليون دينار وللمواد الغذائية 67 مليون دينار، ولذوي الدخل المحدود 105 مليون دينار. علما أن المواطنين يشكلون 47 بالمئة من إجمالي عدد السكان في البحرين، وان الدعم يطبق لجميع السكان.

قد تكون دول التعاون قادرة على امتصاص الانهيار في أسعار النفط على المدى القصير باستنزاف احتياطياتها النقدية، لكنها لن تكون قادرة على الاستمرار في ظل أسعار تقل عن 80 دولار للبرميل، خصوصاً وان الولايات المتحدة الأمريكية تسير وفق منهاج واضح بزيادة إنتاجها من النفط الذي زاد في الفترة ما بين 2008 حتى الوقت الراهن بمقدار 4 ملايين برميل يوميا مستثمرة تقنيات حديثة لإنتاج النفط الصخري. وربما ما قلص من فائض السوق من النفط هو احتدام الصراعات السياسية والعسكرية في كل من ليبيا والعراق واليمن وسوريا والعقوبات على إيران حيث أسهمت جميعها في تراجع الإنتاج بمعدل 3 ملايين برميل يوميا.

ان دول التعاون تستورد مواد غذائية من الولايات المتحدة تقدر ب50 مليار دولار سنوياً، بينما تقلص الولايات المتحدة استيرادها من النفط الخليجي رغم رؤيتها الإستراتيجية للمنطقة التي تحمل في أراضيها 70 بالمئة من الاحتياطي العالمي من النفط

إن استمرار تراجع أسعار النفط أو استمرارها ضمن السقف الحالي سوف يعطل التنمية المستدامة، وسوف يضاعف من أزمات مزمنة مثل الإسكان والبطالة والأجور. ففي أربع دول على الأقل من دول مجلس التعاون يقف أكثر من نصف المواطنين في طوابير الخدمات الإسكانية. واستمرار الانهيار في الأسعار يقود إلى تعاظم المشكلة، بينما بدأت البطالة تدق ناقوس الخطر في كل دول التعاون نظراً للمزاحمة الكبيرة الناجمة عن عدم وجود استراتيجيات توظيف للمواطنين وغياب الاستراتيجيات العمالية التي أفرزت الملايين من العمالة السائبة التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في المنطقة بعد.

ثانياً: تأثير انهيار الأسعار على روسيا وإيران

تواجه روسيا وإيران معضلة مع انهيار أسعار النفط. وتعتمد روسيا في موازنتها على عائدات النفط بنسبة 45 بالمئة، وإذا استمرت الأسعار متدهورة سوف تسحب من احتياطيها ما يقارب 75 مليار دولار أو تجبر على تقليص الإنفاق، خصوصاً وان موازنتها موضوعة على أساس 100 دولار للبرميل. ومع تفجر الأوضاع في أوكرانيا وإقدام الولايات المتحدة وأوروبا على فرض عقوبات اقتصادية ومالية على روسيا، فان الوضع سوف يزداد تأزماً، وسيكون احتلال شبه جزيرة القرم عنصراً سلبياً وسبباًفي استمرار العقوبات بالرغم من إن هذه المنطقة هي تابعة تاريخياً إلى روسيا وأهداها الزعيم السوفيتي خروتشيف إلى أوكرانيا. هذا الوضع قد يسهم في انكماش الدور الروسي على المستوى الدولي وخصوصاً تايره في الصراعات الدموية التي تشهدها المنطقة.

أما تأثير انهيار اسعار النفط على إيران فأنه أكبر من روسيا واكثر سلبية. تحتاج إيران إلى سعر للبرميل يفوق المائة دولار لمعادلة موازنتها العامة، حيث تعتمد طهران بنسبة 80 بالمئة على عائدات النفط في توفير العملة الصعبة، و60 بالمئة من دخلها. ويقول خبراء النفط ان ايران تحتاج إلى ما بين 135-143 دولار للبرميل لتصل إلىنقطة التعادل في موازنتها، وان الموازنة الجدية التي قدمها الرئيس روحاني اعتمدت على سعر 100 دولار للبرميل، لكن الخبراء يؤكدون ان إيران يمكنها ان تتحمل لمدة سنة واحدة سعرا للبرميل ما بين 40 إلى 50 دولار. نشير هنا إلى ان عائدات ايران تقدر ما بين 50 مليار إلى 60 مليار دولار، خصوصاً وان صادراتها انخفضت من 4 ملايين برميل يومياً إلى 1.1 مليون برميل، وقد قلصت الدول المستوردة نصف وارداتها من النفط الإيراني بسبب العقوبات الدولية المفروضة على طهران وخصوصاًكوريا الجنوبية والهند والصين. وفقدت إيران عقوداً بسبب إلغاء مشروع باريس الذي يفضي إلى صفقة بمقدار 60 مليار دولار لعقود مع باكستان والهند. بالمقابل، تحتاج إيران إلى 66 مليون لتر من البنزين يومياً، بينما توفر مصافيها فقط 44 مليون لتر، وتواجه صعوبات في تطوير مصافيها بسبب العقوبات والغاء بعض الشكات النفطية الكبرى عقود تزويدها بما تحتاجه من البنزين.

ان استمرار العقوبات وانهيار أسعار النفط سوف يقود الحكومة الإيرانية إلى رفع الأسعار وقد يقود ذلك إلى احتجاجات شعبية، رغم انه يمكن السحب من الاحتياطي النقدي الذي يبلغ نحو 62 مليار دولار. لذلك فان ايران تراهن على الوصول إلىاتفاق مع الدول الكبرى حول الملف النووي. لكن بالمقابل تحاول إيران كسب المزيد من النقاط في المنطقة بعد ان تحول الصراع إلى لعبة مكشوفة خصوصا في العراق واليمن وسوريا.

ثالثاً: التجربة النرويجية

يمكن الإشارة هنا إلى التجربة النرويجية باعتبارها تجربة ناجحة في طريقة تعاطيها مع الثروة النفطية ونجاحها في خلق صناعة متقدمة ودعم الصناعات المحلية الأخرى مما وفر تنويعاً اقتصادياً لمصادر الدخل.

يبلغ عدد سكان النرويج نحو 5 ملايين نسمة 86 بالمئة منهم مواطنون، ومساحتها 323802 كم مربع. يعتمد خمس سكانها على الزراعة مثل القمح والشعير والبطاطس، ولديها اكتفاء شبه ذاتي من الثروة الحيوانية، ويبلغ انتاجها من الأخشاب نحو 11 مليون متر مكعب، وتعتبر الأولى أوروبياً على مستوى صيد الأسماك وتصنيعه وتعليبه، وقد طورت مصادر توليد الطاقة الكهرومائية رخيصة الثمن، وطورت الصناعة وتعتبر اليوم الصناعة هي رقم واحد في القطاعات الاقتصادية. وتمتلك النرويج واحداً من أكبر الأساطيل التجارية في العالم.

النرويج هي أكبر منتج للنفط في أوروبا، والثالث عالمياً في التصدير بعد السعودية وروسيا.

تشكل عائدات النفط في الموازنة النرويجية نسبة 4 بالمئة فقط والباقي يذهب إلىصندوق خاص للأجيال القادمة. وقد ركزت خطط التنمية على التعليم والتقنية والتنمية الصناعية واشترطت على الشركات النفطية ان تسهم في نقل الخبرة والتقنية إلى النرويج وقد نجحت.

الخلاصة: 

يمكن اقتباس مقولة مستشار التنمية الاقتصادية لرئيس الوزراء السنغافوري السيد فيليب يو الذ قال "ان الاعتماد على الموارد الطبيعية يجعل الاقتصاد كله عرضة للتقلبات بين طفرة اقتصادية حادة وانخفاضات شديدة" المستشار نفسه وصف المورد الطبيعي ب"اللعنة".

وشكرا

4

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro