English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | إلى أين تقودنا كارثة انهيار أسعار النفط؟
القسم : اقتصادي

| |
رضي الموسوي 2015-11-03 00:16:38




بيان التحذير الذي أصدره صندوق النقد الدولي يوم 27 أكتوبر المضي، يفيد بأن العجز المتوقع في موازنات دول مجلس التعاون الخليجي للعام الجاري 2015 سيصل إلى أكثر من 145 مليار دولار أمريكي، وأن هذا العجز سيتضاعف إلى750 مليار دولار بين عامي 2015 و2020 إذا استمرت الأسعار على ما هي عليه من انخفاض تجاوز 50 بالمئة مقارنة بمنتصف العام الماضي 2014. ولم يكتفي الصندوق الدولي بتوجيه هذه التحذيرات، بل ذكر (بتشديد الكاف) بالتقديرات السابقة التي أشارت إلى أن دول المجلس كان يفترض أن تحقق فائضا مقداره 100 مليار دولار في العام الجاري، و200 مليار دولار سنويا بين عامي 2015 و2020. في هذا الوقت يضع الخليجيون أيديهم على صدورهم وهم يراقبون تقارير أمريكيةعن زيادة حجم المخزون النفطي الأمريكي تزيد الطين بله، خصوصا وان منحنى الأسعار قد وصل إلى مستويات تقل عن 50 دولار للبرميل، حيث سجل مزيج برنت الخام للعقود الآجلة تسليم شهر ديسمبر المقبل سعرا متراجعا بلغ 47.72 دولار للبرميل في أواخر أكتوبر الماضي، بينما تهاوى النفط الأمريكي إلى 42.88 دولار للبرميل، وواصل تراجعه ليصل سعره في السوق الفوري 46.35 دولار عند بداية التداول.

وقد شكل هذا الانهيار والمصاعب المالية الآنية التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي، حافزا لاقتصاديات أخرى، حيث تفيد المؤشرات بأنه من المتوقع أن تحقق المانيا رقما جديدا في صادراتها لتصل إلى أكثر من تريليون دولار مع نهاية العام الجاري، وذلك بعد أن رفع اتحاد "بي.جي.أيه" الألماني لقطاع تجارة الجملة والتجارة الخارجية والخدمات توقعاته بقيمة الصادرات الألمانية إلى 6 بالمئة. ولم تؤثر فضيحة شركة فولكس واغن للسيارات في صعود نجم "البلدوزر" الألماني المستمر الذي يعتمد بنسبة كبيرة على أسواق الاتحاد الأوروبي. ويعزي الألمان هذا النمو في الصادرات إلى انخفاض أسعار النفط والسياسة المرنة في البنك المركزي الأوروبي (الذي تقود برلين قاطرته وتتحكم في مخرجاته)، فيما جرى التعاطي مع الفضيحة "الفولكسفاغنية" بشفافية وبمعلومات مقابلة تخفف من وطأ الفضيحة وتفيد بأن هذه الشركة العريقة التي تلاعبت في إعلانها عن قيم عوادم سياراتها التي تعمل بالديزل واضطرت فيما بعد إلى سحبها من الأسواق..هذه الفضيحة لم تؤثر في حجم الصادرات الألمانية، بل أن هذه الشركة ووفق دراسات قد استثمرت في البحث العلمي 15.3 مليار دولار لتتبوأ المركز الأول كأكبر شركة سيارات في العالم تستثمر في هذا الحقل، وفق دراسة قامت بها شركة "بي.دبليو.سي المتخصصة وشملت ألف شركة سيارات حول العالم.

ربما نصاب بخيبة وإحباط من هذه الأرقام والإحصائيات ونحن نراقب عجز الموازنات العامة في دول التعاون وبدء رفع الدعم عن المواد الأساسية دون دراسات مستفيضة ودون شراكة مجتمعية تضع البدائل الضرورية لهذه الخطوة. فقد كانت أول وصفات مواجهة العجوزات وصفة الدواء المر التي تم بموجبها رفع الدعم عن اللحوم الحمراء والبيضاء في البحرين، ورفع الدعم عن البنزين في الإمارات، ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسة لتشمل جميع دول المجلس وفي قطاعات المحروقات والكهرباء والماء والمواد الغذائية، إذ أعلنت الكويت مؤخرا أن إيرادات الدولة قد تراجعت بنسبة 60 بالمئة. إن بعض مواطني دول المجلس لن تؤثر عليهم زيادات الأسعار، لكنها ستؤثر حتما على المواطن العادي في باقي المنظومة الخليجية في ظل ثبات الأجور وتدنيها مقارنة بارتفاع مستوى المعيشة.

في بعض المحطات التي تمر بها المجتمعات، ثمة مفاضلة بين رفع الأسعار وبين الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، تخلص إلى تفضيل الاستقرار الاجتماعي على المداخيل الإضافية للموازنة العامة باعتبارها تمثل نسب هامشية في عملية إطفائها للعجز، كما هو الحال مع رفع الدعم عن اللحوم. وقد خطت تونس خطوة مهمة على هذا الطريق. فرغم المصاعب الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد، اتخذت قرارا  قبل عدة أسابيع برفع الأجور بما يزيد من أعباء الخزينة بمقدار مليار دولار، لكنه يسهم في تحقيق السلم الأهلي ومواجهة تداعيات التطرف والوقوف في وجه الجماعات الإرهابية المسلحة التي نفذت تفجيرات واغتيالات ضد قيادات وزعامات سياسية تونسية.

أما في دول مجلس التعاون الخليجي، فمن الممكن أن تقليص العجوزات في الموازنات العامة يتم حيت يرشد الإنفاق ومراقبته وإغلاق كل مصادر التسرب التي تشكل نسب اكبر بكثير من المبالغ المتحصلة من رفع الدعم عن المواد الأساسية، بحيث لاتمس مكتسبات المواطن. ولكي لا يفهم هذا الحديث خطأ، فإننا مع رفع الدعم وتوجيهه للفئات المستحقة من المواطنين بما يحافظ، على الأقل، على ما تبقى من طبقة وسطى تتآكل الآن بفعل التضخم وارتفاع الأسعار وثبات الأجور على حالها منذ عقود في العديد من بلدان مجلس التعاون.

إننا أمام ما يشبه الكارثة المالية والاقتصادية إذا استمرت الأوضاع على ماهي عليه، ونحتاج  للمزيد من المكاشفة والإفصاح لضبط عمليات التدفق النقدي والمصروفات التي في العديد من جوانبها غير ذات قيمة. وفي نفس الوقت ينبغي الحذر من دعوات الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية التي تقدم اليوم طعما مغريا للولوج في دوامة الدين الخارجي، رغم أن الخيارات قد تكون محدودة في ظل معطيات الواقع الراهن.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro