English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تدابير صندوق النقد الدولي تطبق في البحرين
القسم : مقالات مختارة

| |
عبدالله جناحي 2016-05-25 10:04:09




اجتمع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي مع حكومة البحرين وذلك في (30 مارس/آذار2016)، وهو الاجتماع الدوري بحسب المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق التي تنص على عقد مناقشات ثنائية مع الدول الأعضاء وعادة تكون سنوية. وآلية هذا الاجتماع الدوري تتمثل في قيام فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد العضو، وجمع المعلومات الاقتصادية والمالية اللازمة، وإجراء مناقشات مع المسئولين الرسميين بشأن التطورات السياسية والاقتصادية، وبعده يعد الخبراء تقريراً يشكل أساساً لمناقشات المجلس التنفيذي حيث يقوم مدير عام الصندوق بصفته رئيس المجلس التنفيذي بتقديم ملخص لآراء المديرين التنفيذيين للصندوق، ثم يرسل هذا الملخص إلى السلطات في البلد العضو.

إن المسألة المهمة في تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر بعد هذه المشاورات، هي اعترافه ببعض الحقائق، ودعوته لتنفيذ المزيد من الإجراءات، وعدم الاكتفاء فقط برفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والطاقة والكهرباء والماء، وزيادة الضرائب على التبغ والمشروبات الكحولية.

 

فالحقائق التي تم إعلانها في التقرير أن هناك بطئاً في إجمالي الناتج المحلي وانخفاضه إلى 3.2 في المئة في العام 2015، بعد أن كان 4.5 في المئة في العا م 2014، وذلك بسبب انخفاض أسعار النفط منذ منتصف العام 2014، ما أدى إلى «زيادة كبيرة في مواطن الضعف على مستوى المالية العامة والحسابات الخارجية».

 

واتفق المدراء أيضاً على أن هناك تراجعاً في «مزاج» المستهلكين المستثمرين، والمزاج وإن كان مصطلحاً فضفاضاً، إلا أنه يوحي بأن هناك انخفاضاً في أحد أهم المؤشرات الاقتصادية لنمو الاقتصاد، وهو نسبة الاستهلاك، وقد يكون استخدام هذا المصطلح سببه عدم وجود إحصائيات واضحة بشأن نسبة تراجع الاستهلاك والاستثمارات، على رغم أن الجدول المرفق بالتقرير حول المؤشرات الاقتصادية الكلية قد أشار إلى أن مؤشر أسعار المستهلكين كمتوسط الفترة من 2011 إلى 2015 قد ارتفع على النحو الآتي: العام2011 كانت النسبة 0.4 في المئة، أما في العام 2012 فكانت 2.8 في المئة، والعام 2013 النسبة كانت 3.3 في المئة، اما العام 2014 فالنسبة 2.7 في المئة، والعام 2015 النسبة كانت 1.8 في المئة، اما العام 2016 فالنسبة كانت 3.2 في المئة.

 

ومن جهة أخرى اتقفوا أيضاً على أن هناك بطئاً في نمو الودائع المصرفية وانخفاض السيولة الزائدة، وهذا يعني أن هناك تراجعاً في الادخار، وهو المؤشر الاقتصادي الثاني المهم لقياس النمو بجانب مؤشر الاستهلاك، رغم التناقض بين ملخص المدراء في هذا الشأن، وتقرير مدير عام الصندوق الذي أشار إلى أن البنوك البحرينية تتمتع بسيولة قوية واحتياطات رأسمالية كبيرة!

 

كما توقع صندوق النقد الدولي أن في العامين 2016 و2017 سيزداد بطء النمو بسبب «الضبط المالي»، أي بسبب الإجراءات التي نفذت حتى الآن كرفع الدعم الحكومي، وكذلك من المتوقع أن يستمر تراجع «مزاج» المستثمرين، كما توقعوا ارتفاعاً في التضخم بسبب زيادة أسعار الطاقة، وما مؤشر أسعار المستهلكين المذكور أعلاه إلا تأكيد على ارتفاع الأسعار من 0.4 في المئة العام 2011م، إلى 3.2 في المئة العام 2016.

 

وإذا كانت كل هذه التراجعات الاقتصادية المذكورة أعلاه قد اتفقوا على وجودها وتوقعوا المزيد منها، إلا أن الصندوق يقترح المزيد من تدابير إضافية كبيرة ومركزة في البداية!، بل أوصى الصندوق حكومة البحرين باتخاذ تدابير لاحتواء الإنفاق الجاري بما في ذلك «فاتورة الأجور»، واتخاذ تدابير إضافية للحد من تكلفة ممارسة الأعمال. ولسنا ندري تفاصيل هذه التدابير المتعلقة بفاتورة الأجور وتخفيض تكاليف أصحاب الأعمال، لكن يبدو أن أهم التدابير، هي تجميد الأجور وتخفيض العلاوات السنوية للموظفين والمتقاعدين، وتحرير سوق العمل بحيث يتمكن أصحاب الأعمال من استقدام العمالة الأجنبية المهاجرة على حساب نسب البحرنة، وترك موضوع البحرنة ـ كما أشار التقرير بشكل غير مباشر ـ تركة «لتسليح العمالة الوطنية بالمهارات اللازمة لوظائف القطاع الخاص».

 

وعلى رغم توصيتهم الجيدة التي تؤكد ضرورة بذل المزيد من الجهود لزيادة الإيرادات غير النفطية بما في ذلك تطبيق ضريبة القيمة المضافة والتي ستؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار من جديد، وإلقاء عبء هذه الضريبة من قبل المستوردين وأصحاب الأعمال على عاتق المواطن، فإن الأخطر من إصرار الصندوق على تنفيذ كل هذه التدابير والاستمرار في المزيد منها هو أنهم «اتفقوا» كمدراء على أن تنفيذ بعض هذه التدابير يمكن أن يواجه «تحديات سياسية»، وهو مصطلح ناعم بدلاً من مصطلح الاحتجاجات الشعبية المتوقعة أمام استمرار تراجع القيمة الشرائية لدخل المواطن، وبدلاً من الدعوة للمزيد من التدابير الكفيلة بعدم خلق التربة التي ستنفجر فيها تلك الاحتجاجات نراهم يقدمون نصائحهم بل وهذه المرة «شددوا على الحاجة إلى عملية تواصل قوية لرفع الوعي العام وزيادة التأييد الجماهيري» لهذه التدابير التي تمس أرزاق المواطنين والمستثمرين. (وقد بدأت بعض الوزارات في تنظيم ندوات وورش عمل للمواطنين في توعيتهم على أساليب ضبط موازنة الأسرة!!).

 

في موضوعة «الاحتجاجات الشعبية» أشار الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون في إحدى ندواته إلى أن التدابير التقشفية التي تنفذها الحكومة بحق المواطنين سوف لن تواجه في مرحلتها الأولى بردود فعل غاضبة حيث لايزال المواطن لديه «شحم» يعتمد عليه، لكن مع مرور الوقت وذوبان هذا «الشحم» (أي مدخراته المتراكمة) وإحساسه بأنه أصبح لا يملك شيئاً (اللجوء إلى المزيد من الاقتراض والتلاعب...إلخ) فإنه يبدأ في الاحتجاج؛ لأنه لن يخسر سوى قيوده «وقد» يحصل على حقوقه وحريته!!

 

ومقارنة بين تقرير الصندوق الخاص بالبحرين وتقريري كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر، فيلاحظ مدى الاهتمام الكبير بتقرير قطر الذي وصل عدد صفحاته إلى (60) صفحة، وفيه تفاصيل دقيقة في شتى القطاعات الاقتصادية ومؤشرات واضحة، في حين كان تقرير البحرين صفحتين فقط وجدولاً يتيماً لمؤشرات اقتصادية عامة. غير أن المهم في هذه المقارنة هو أن تقرير الإمارات أشار مثلاً إلى ضرورة أن تكون «وتيرة الضبط المالي ينبغي أن تراعي حجم الاحتياطات الوقائية المتوافرة في المالية العامة وتأثير الضبط على الاقتصاد ككل... ويتطلب الضبط المالي ترشيد الانفاق، لكن جودة تخفيضات الانفاق تمثل عاملاً حاسما لتجنب التأثير على القدرة التنافسية وآفاق النمو على المدى البعيد»، وينبغي «أن تهدف الإصلاحات الهيكلية إلى زيادة تنويع مصادر الدخل مع أن تتضمن هذه الإصلاحات زيادة الانفتاح أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسين مناخ الأعمال في بعض المجالات، والتحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وتيسير سبل التمويل للمشروعات المبتدئة والصغيرة والمتوسطة».

 

إن جميع النصائح «الإيجابية» التي يقدمها الصندوق لدولة الإمارات هي من ضرورات تنفيذها أيضاً في الاقتصاد البحريني، ومع ذلك أهمل تقرير الصندوق الخاص بالبحرين كل ذلك!

 

وعلى رغم ذلك تتوضح من جميع تقارير دول مجلس التعاون الخليجي أن التدابير والمصطلحات ذاتها تستخدم دون مراعاة لخصوصية كل اقتصاد، ففي تقريري الإمارات وقطر توجد مطالبات أيضاً بتنفيذ تدابير «الضبط المالي» و»وضع خطط الطوارئ»، والدعوة «للخصخصة» لتشجيع القطاع الخاص، وضرورة السيطرة على «نمو فاتورة الأجور في القطاع العام». و»تخفيض دعم الطاقة والتحويلات الرأسمالية» وتطبيق «ضرائب جديدة».

 

ويلاحظ من تقريري الدولتين (الإمارات وقطر) تأكيد الصندوق على تحسين الإحصاءات، وترحيبه بتنفيذ مشروع مشترك بين الجهات المعنية لإعداد إحصاءات عن «وضع الاستثمار الدولي». بما في ذلك عن الأصول والديون الأجنبية، وضرورة «إعداد إحصاءات أشمل للجوانب الديمغرافية وأسواق العمل». (الإمارات). في حين كان تقرير دولة قطر شاملاً من حيث الإحصاءات، وبالأخص الرقم القياسي لأسعار المستهلكين. وكان واضحاً أن تقرير البحرين قد خلا من كل هذه الدعوات المتعلقة بالإحصاءات الشاملة والدقيقة، رغم إن التقرير لم يتضمن أي تفاصيل إحصائية!

 

إن شروط وتدابير صندوق النقد الدولي لم تتغير منذ تأسيسه، وهي ذاتها لكل الدول التي تلجأ إليه دون تحليل وتشخيص لخصائص كل مجتمع وإمكاناته وقدراته وأولوياته، فهذا الصندوق يصر على استمرار بيع القطاع العام (الخصخصة)، وابتعاد الدولة عن دعم الخدمات الأساسية في المجتمع، ورفع الدعم وعدم دعم الفقراء وذوي الدخل المحدود، وتجميد الأجور، وفتح الأسواق للاستثمارات الأجنبية دون شروط، ورفع الرسوم والضرائب، وغيرها من التدابير الرامية لإعادة هيكلة الاقتصاد والمؤدية في النهاية إلى ارتهان الدول النامية للدول الرأسمالية، وأهمها الولايات المتحدة الأميركية ليس فقط اقتصاديّاً بل أيضاً سياسيّاً.

 

إن بعض الدول في أميركا اللاتينية وشرق آسيا التي تمردت على شروط وتدابير صندوق النقد الدولي وغيرت سياساتها الاقتصادية بما يخدم شعبها وتحسين من مستويات المعيشة والدخل لهم، واعتمدت على ذاتها وإقليمها القاري في المزيد من الإنتاجية والمزيد من كشف الفساد المالي والمزيد من تطور وتحسين خدمات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية أي أن السياسات الإقتصادية التي نفذتها كانت تراعي فيها دوماً البعد الاجتماعي، وبالتالي تمكنت بعد تحررها من شروط الصندوق من أن تتقدم للأمام اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 5007 - الإثنين 23 مايو 2016م

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro