جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - نهار آخر| لماذا اطلقت وعد وثيقة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة؟ (2)

English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر| لماذا اطلقت وعد وثيقة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة؟ (2)
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-06-13 11:07:39




لماذا اطلقت وعد وثيقة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة؟ (2)

في المفاهيم العامة للدولة المدنة

 

 

 

لم يتوقف الجدل في مختلف المجتمعات حول طبيعة الدولة المطلوبة والفهم الحقيقي لوظيفة هذه الدولة وتسميتها، فضلا عن علاقتها بمجتمعها. في البدء نشير الى ان ثمة التباسات ليست هامشية ازاء فهم مصطلحات في مفهوم الدولة وأشكالها، الشمولية،المدنية والعلمانية. هذا الالتباس يتضاعف مع تقديم تعريفات معلبة غير دقيقة،وبالطبع ليست علمية، من قبل أولئك الذين تختلط عليهم المفاهيم ولا يرون مثلا في الدولة المدنية إلا عملية الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة. وهنا تلتبس عليهم مفاهيم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي نراها مخرجا لمآزق مجتمعية غير محدودة.  

وقد تضمنت وثيقة الدولة المدنية التي اصدرتها جمعية وعد يوم 28 مايو 2016، تعريفا عاما لها، حددته بأنها  الدولة "التي يحكمها دستور ذو مرجعية بشرية وقوانينه محققة لمبادئه على مستويات الممارسة العملية لحياة الناس في تفاصيلها المتنوعة والتي تهدف إلى تحقيق المصالح العادلة لكل المواطنين بلا استثناء. وهي دولة مؤسسات تقوم على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إنها دولة ديمقراطية قائمة على حق الاختلاف والتمايز، بقدر ما هي دولة مواطنة لا يمكن أن تسمح لأحد بالتمييز بين مواطنيها على أساس من الثروة أو الدين أو الجنس أو الانتماءالسياسي، فجميع المواطنين سواء أمام  القضاء ودستور الدولة الذي يجمع بينهم دون تمييز، على نحو يتجسد معه المعنى الحقيقي لمبدأ المواطنة الذي لايمكن أن تقوم من دونه دولة مدنية حديثة".

ينبغي التأكيد أن الدولة المدنية التي نبشر بها هي الدولة التي يتمتع المواطن بكامل حقوقه المدنية والسياسية، وهي الدولة التي يكون للمجتمع المدني موقعا رائدا ومتقدما في صناعة السياسات بمختلف ابعادها. فلا دولة مدنية بدون مؤسسات حرة للمجتمع المدني قادرة على التفكير وطرح المشاكل والحلول لتكون جنبا الى جنب مع الدولة في عملية التطوير والتحديث المطلوبة. والدولة هنا ليست السلطة السياسية، بل ان الاخيرة جزء من منظومة الدولة واحدى السلطات المكونة لها، والسلطة او الحكومة لاتحل محل الدولة إلا في الدولة الشمولية. فالدولة بشكل عام تتكون من سلطات رئيسية ثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي المجتمعات المتقدمة تكون لوسائل الاعلام قوة ضغط ترتقي في احيانا كثيرة الى مستوى السلطة المقررة (فضيحة ووتر جيت التي كشفتها الصحافة وقادت الرئيس الامريكي نيكسون للاستقالة)، وسلطة المجتمع المدني، الذي تشكل مؤسساته الحقيقية النابعة من رحم المجتمع، وليس تلك التي تصنع في مطابخ رسمية والتي تعاني منها اغلب دول العالم الثالث لما تسببه من تعطيل حقيقي لعملية التنمية السياسية بكافة أبعادها، ولما تمارسه من عملية تزييف للحقيقة على حساب المجتمع، ما قاد الى تقديم صورة غير واقعية عن حالة المجتمعات المحتقنة على انها تعيش في ازدهار ورخاء.

أما مسألة مرجعية الدولة المدنية البشرية، كما جاءت نصا اعلاه في تعريف الوثيقة، وأثير حولها ايضا الكثير من الجدل، فإن هذه الدولة يجب ان تتمتع أولا بعقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، نقصد الدستور العقدي الذي تتوافق عليه مكونات المجتمع، ويستمد قوته ومشروعيته من الموافقة الشعبية. دستور يضعه مجلس منتخبويحظى بالموافقة الشعبية التي تحصنه من أي ثغرات تشكيكية، وتكون مواده جلية وواضحة وغير قابلة لقراءات متعارضة، ويفترض للقانون ان يقدم دعما للنص الدستوري وليس تقويضا لهذا النص، خصوصا فيما يتعلق بالحقوق والواجبات والحريات العامة وحرية الرأي والتعبير. وهو الامر الذي يفتح افاقا واسعة لفهم التعددية السياسية والتنوع الفكري الذ يشكل بدوره إثراء للعملية السياسية برمتها، ويحفظ حقوق الاقليات بتلاوينها الفكرية والسياسية والاثنية والعرقية. ان الدولة المدنية الديمقراطية هي مصلحة عامة لكل مكونات المجتمع، وأن طرح هذا المشروع في مجتمع "محافظ"، لا يمنع من القول ان "الاختلاف الحضاري لم يكن يوما حجة للمسلمين للقطيعة مع الآخر، وفق هاني فحص، الذي يذهب بتساؤل  المستغرب حول كيفية انتشار الاسلام واختراقه للحضارات من دون كسر لو لم يكن متفهما لها، وموسعا لشراكة معرفية وتاريخية مع منجزاتها. ويجزم فحص "ان الديمقراطية تقع نظريا في نظام الافكار الاسلامي العام، المقاصدي، ولا يتعارض مع قيمه".

لكن قبل الحديث عن المسألة الديمقراطية، يبدو مبدأ المواطنة عنصرا اساسيا في الدولة المدنية وكيف نفهمه. حسب وثيقة وعد "ينطلق مفهوم مبدأ المواطنة من اعتبار الشراكة هي الرابط الرئيس في الوطن دون غيرها من الروابط الإنسانية الأخرى، مثل الإخوة في الدين أو المذهب أو الرابطة القومية، مصدر حقوق المواطن ومناط واجباته في الدولة. وإن أساس الدولة المدنية يقوم على مفهوم المواطنة الذي يختزل في العصر الحديث جملة مفاهيم وقيم أهمها المساواة بين المواطنين من دون تمييز بحسب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة، وكذلك المساواة في الحقوق والواجبات والحرية والمشاركة في الحياة العامة، لتقوم على هذا المفهوم الدولة بمؤسساتها وتشريعاتها، إذ لا مجال لقيام الدولة المعاصرة الناجحة والناجزة على ممارسة التمييز بين المواطنين".

ان الدولة التي ظهرت للوجود في القرن السادس عشر بدءا من أوروبا، قد اخذت شكلا سياسيا قانونيا، وقامت لأول مرة على فكرة القانون "بوصفه قواعد عامة موضوعية ومجردة أو غير شخصية، ومن الناحية التنظيمية تبنت مبدأ الوحدة المركزية وتوزيع الاختصاصات على اساس ما يسمى النمط العقلاني الرسمي واستخدام مجموعة كبيرة من الموظفين العموميين تضمهم بيروقراطية كبيرة"، وفق ما ذهب له د. ميلود عامر حاج. 

لكن شكل الدولة في مرحلتها الجنينية تختلف عن مرحلتها الراهنة بتعدد اشكالها وبروز ضرورات التطور والتغيير المطلوبة لمواكبة متطلبات مجتمعية تنزع لمزيد من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار والتي لا تأتي الا اذا كان هناك دولة مدنية نسميها هنا أو دولة علمانية كما هي في الدول الغربية التي سبقتنا بقرون في تشكل دولها القومية. وفي هذا نحتاج الى وقفة خاصة أمام الدولة العلمانية ومصطلحها الملتبس لدى البعض والغامض على بعض آخر.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro