English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | علاقة الفقر والمرض بالفساد والدكتاتورية
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2017-02-07 18:57:57




اينما وجدت الدكتاتورية والفساد وجد الفقر والمرض. تلك كانت أهم الخلاصات التي يخرج بها القارئ عندما ينتهي من قراءة كتاب "الطريق الوعر" الذي يعتبر سيرة ذاتية ووطنية للرئيس الكوري الجنوبي السابق (لي ميونغ-باك). قد تتملك المرء حيرة في توصيف سيرة هذا الرجل الذي نجا من براثن الفقر والمرض ليسهم في بناء دولة حديثة تعتمد على التصنيع والتقنية للدخول في استراتيجيات التنمية المستدامة، وسط غابة الفساد وعشعشة الدكتاتورية.

يتحدث لي ميونغ في كتابه عن حقبة صعبة مرت بها كوريا الجنوبية، تزاوج فيها الفقر مع الدكتاتورية والفساد والمال السياسي الذي كان يتحرك في كل الاتجاهات وخصوصا في الحصول على الصفقات التجارية. وغالبا ما كانت حاشية الرؤساء،الذين تناوبوا على كوريا الجنوبية، يدخلون في العمل التجاري عبر تأسيس شركات أو بتواطؤ مع شركات بعينها من أجل حفنة من المال. وفي هذا يتحدث الرئيس الكوري السابق بمرارة عندما كان مسئولا ثم رئيسا تنفيذيا لواحدة من اكبر الشركات الكورية (هايونداي). وبالمقابل كان طوق الفقر يسيج العاصمة سيول التي يقطنها عشرة ملايين نسمة ويتجول في أزقتها، فضلا عن الريف الذي تعتبر التنمية فيه منسية. ولأن اغلب الرؤساء الكوريين جاءوا من خلفيات عسكرية سواء عبر انقلاب أو استقالة من قيادة الجيش يخلعون إثرها البزة العسكرية ثم يلبسون البدلة المدنية، كما هو الحال مع الرئيس (الفريق بارك شونج – هي) الذي انقلب عام 1961 على حكومة مدنية بغيضة في فترة تسمى الجمهورية الثانية، وتعهد بتسليم السلطة للمدنيين، لكنه بقى ثلاث دورات رئاسية بعد ان عدل الدستور الذي وضعه هو وذلك بهدف الترشح لفترة جديدة خلع خلالها بزته العسكرية ولبس قبعة الرئيس المدني واستمر في منصبه من 1961 الى 1979 عندما تم قتله على يد رئيس مخابراته. لقد كان الصوت العالي والقرار النافذ مختزلا في دائرة الجيش والمخابرات. 

واجه لي ميونغ نهج العسكر ودخل في تفاصيل الحياة السياسية قبل وصوله الى سدة الرئاسة، وقد تمكن، كرجل أعمال ناجح، من الدخول من خرم الابرة ليفرض معادلاته الجديدة على طاقم الحكم الذي كان يقبض على البلاد بقوة قانون الطوارئ، حتى الجمهورية السادسة التي ترأسها (روه تاي-وو) والتي سمحت بانتخاب الرئيس من الشعب مباشرة، إثر تعديل دستوري في 1987 تمت هندسته في دوائر مغلقة تضمن وصول الرئيس الجديد وتحمي الرئيس السابق، حيث أتهمالاثنان بأنهما مسئولان عن مذبحة (جوانغجو). وقد قدم الرئيسين الى المحاكمة بعد ذلك وأدينا لدورهما في المذبحة.

ومن سوء طالع لي ميونغ انه ترأس الجمهورية بينما كانت الازمة المالية العالمية تختمر لتنفجر نهاية 2008، وكان عليه ان يعمل مع بقية زعماء العالم المتقدم لمواجهة هذه الازمة التي لا تزال آثارها قائمة حتى الوقت الراهن خصوصا على الاقتصاديات الاوروبية الضعيفة كما هو الحال مع اليونان وقبرص والبرتغال، حيث تعرضت هذه الدول لهزات اقتصادية كبرى انعكست على الحياة المعيشية لمواطنيها وعرضت السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي فيها للخطر. لكن ميونغ لم يتوقف كثيرا في كتابة سيرته عند تبوءه منصب الرجل الأول في بلد صاعد يتقدم صناعيا وتقنيا باطراد، لكنه أفرد عشرة فصول من كتابه المكون من ثمانية عشر فصلا لمسيرته في شركة هيونداي بدءا من معركته الأولى للحصول على وظيفة في الشركةترسله الى ما وراء البحار كموظف مسئول عن مالية مشروع الطريق السريع في تايلند، الى خروجه من الشركة وهو في أوج قوته كرئيس تنفيذي فيها. 

أبحر لي ميونغ في السنوات السبعة والعشرين التي قضاها في هيونداي في كل انحاء الدنيا والتقى رؤساء وزعماء ومسئولي دول، ومنهم الزعيم السوفيتي جورباتشيف عندما كان يفكر (لي) في دخول السوق السوفيتي من بوابة الغاز في جمهورية ياقوتيا التي يقال ان الله حباها بثروات طبيعية على رأسها الغاز الطبيعي الذي تحتاجه كوريا خصوصا وان هذه الجمهورية قريبة من كوريا الأمر الذي سيوفر الكثير من اموال النقل والاكتفاء بأنابيب الغاز التي ستكون لها قيمة مضافة على الاقتصاد الكوري وعلى الجمهورية السوفيتية النائمة على كنوز تحت الأرض.يشير (لي ميونغ) إلى بعض تفاصيل لقاءه مع جورباتشيف وينقل عنه التالي:"عندما قسمت شبه الجزيرة الكورية الى كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، كانت كوريا الشمالية اكثر تقدما بكثير، حيث كان فيها أحدث المجمعات الصناعية، وكان دخل الفرد فيها أعلى من مثيله لدى كوريا الجنوبية. في ذلك الوقت، كان بلدكم يعيش على الزراعة وبعض الصناعات الأولية المحدودة. اما اليوم، فان كوريا الشمالية افقر منكم بكثير.. هل تعرفون السبب؟..لأن كوريا الشمالية اختارت الشيوعية بينما اخترتم أنتم الرأسمالية". يعلق لي ميونغ على هذا الاعتراف بأنه: أمر له مغزاه.

يمكن القول أن طبيعة تركيبة وتربية الرجل الذي نحن بصدد الحديث عنه هي طبيعة متمردة. لذلك تمرد على قرار الحزب الذي انتمى له (الحزب الديمقراطي الليبرالي)عندما اراد أمين عام الحزب أن يقدم مرشح حزبه لعمدة سيول دون انتخابات تمهيدية حزبية، وخاض (لي) معركة اجبرت رئيس الجمهورية وأمين الحزب الحاكم الموافقة على الشروع في هذه الانتخابات. ورغم انه فشل في ان يكون مرشحا لحزبه في المنافسة على عمدة المدينة في المرة الاولى في مايو 1995، إلا انه فاز بها فيما بعد ونفذ مشاريع اسهمت في تخفيف التلوث في سيول وأهمها مشروع اعادة احياءنهر (شيونجيشيون) وتعني بالكورية النهر النظيف لكنه ومن كثرة الاوساخ ومياه المجاري التي ترمى فيه تم ردمه وإنشاء طرق سريعة فوقه ما بين 1955 الى 1970. حين تسلم لي ميونغ منصب عمدة سيول منتصف 2002 تمكن من احياء النهر الذي كان يهدد وضعه البيئي بكارثة، وحول المنطقة الى منتزه يشار له بالبنان وحسن التدبير ووضوح الإستراتيجية.

من يقرأ سيرة لي ميونغ – باك سيلاحظ بلا شك ان هذه السيرة الممتزجة بسيرة نهضة بلاده، هي سيرة تشبه في اجزاء منها كثير من الناس في العالم الثالث، خصوصا فيما يتعلق بالفقر والمرض والمطاردة الذي عانى منه الرئيس الكوري السابق وكذلك الفساد الذي لا يبدو انه كان منزها عنه، والدكتاتورية التي لازمت كوريا طوال عقود من الزمن قبل ان تدخل في مرحلة الجمهورية السادسة التي خففت الوطء عن المعارضين للنظام لكنها لم تحول البلاد الى ديمقراطية حقيقية، ولم تتمكن بعد من القضاء على الفساد الذي يهدد الرئيسة الحالية (باك غوين –هي) بالعزل، كما يهدد رئيس اكبر شركة "سامسونغ" بالحبس لأسباب تتعلق بالفساد المالي والتورط مع الرئيسة الحالية المنزوعة الصلاحيات في قضايا فساد.

الحقيقة الراهنة ان كوريا الجنوبية تتمتع اليوم بواقع اقتصادي متقدم وهي ضمن مجموعة العشرين اكبر اقتصاديات العالم، وقد نما دخل الفرد من 16 ألف دولار سنويا في 2005 الى اكثر من 20 ألف دولار في العام 2010، ومن المتوقع ان يتجاوز عتبة 24 الف دولار هذا العام، وتطمح الدولة هناك لبلوغ 30 الف دولار كمتوسط سنوي للدخل الفردي، بينما تعاني كوريا الشمالية من فقر ومتوسط الدخل الفردي لايصل الى 2000 دولار امريكي سنويا. كما يبلغ الناتج المحلي الاجمالي لهذا النمر الاسيوي نحو 788 مليار دولار، وتصل صادراته الى اكثر من 284 مليار دولار ووارداته 261 مليار دولار ومتوسط النمو 4 بالمئة. وفي المسار الديمقراطي تمكنت كوريا الجنوبية من لجم الدكتاتورية بتشريعات عصرية حجمت التفرد في اتخاذ القرار السياسي وزادت من نسبة المشاركة الشعبية وقبل كل شيء اهتمت بالتعليم وطورته، خلاف العديد من دول العالم الثالث التي تعاني من تسلط السلطات فيها وتطويع التعليم لعبادة الفرد. اليوم، تسير كوريا الجنوبية على طريق الديمقراطية رغم الارث التاريخي للدكتاتورية والفساد الذي كانت تعاني منه بشدة.

 

 

4

 

 
 
 
 
 

 

 إكتب تعليقك 

 
البريد الإلكتروني: * الإسم *
التعليق: *
 
 
 
 
 

Developed by:
Bab-alBahrain.com

جميع الحقوق محفوظه © 2012
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro