الاثار المدمرة للتحريض على كراهية الآخر

 

جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"

ندوة "الاثار المدمرة للتحريض على كراهية الآخر" 

15 مارس 2017

إعداد: رضي الموسوي

يواجه العالم اليوم تصاعد خطاب الكراهية وازدياد العنف والقتل وتدمير البلدان، بسبب غياب الحرية وتقويض الديمقراطية وتآكل دولة المواطنة المتساوية وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد المالي والإداري مما ادى الى شيوع ظاهرة العنف ودخول بعض الدول في دائرة التقسيم والتفتيت على أصول دينية وعرقية ومذهبية، خصوصا في دول العالم الثالث وفي مقدمتها الدول العربية.

01 يصدمنا تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 22 فبراير 2017، حين يكشف حقائق مروعة عن خطاب الكراهية في تقريرها الذي غطى العام 2016. المنظمة اتهمت قادة من العالم مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنشر خطاب من الكراهية وصفته بأنه "سام" يشوه صورة مجموعات محددة ويزيد من الانقسام والخطورة في العالم. واضافت "أصبح تأجيج الخوف والانقسام عنصرا خطيرا في الشؤون الدولية. كما اتهمت "امنيستي" زعماء تركيا والمجر والفلبين بنشر خطاب الكراهية، وقالت ان هذا الوضع "يجعل العالم أكثر خطورة". ووصفت عام 2016 بأنه "العام الذي بلغ فيه خطاب الكراهية والخوف مستويات لم يبلغها من قبل منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما اعتلى أدولف هتلر السلطة في ألمانيا". وقال امين عام امنيستي سليل شتي "كثير من الزعماء يتبنى خططا لا إنسانية لتحقيق أغراض سياسية، بدلا من القتال من أجل حقوق الناس". 

وندد التقرير بالسياسات المتغاضية عن العنصرية، مشيرا الى ان هناك حكومات تستغل اللاجئين لأغراض سياسية.

ويقول التقرير إن السياسيين الذين يستخدمون "خطابا مفرقا ولا إنسانيا ضد مجموعات من الناس، يخلق عالما أكثر انقساما وخطورة". وتحدث التقرير عن الرئيس الأمريكي ترامب باعتباره مثالا "للسياسة الغاضبة والأكثر فرقة".

ولفت التقرير - الذي يشمل بتغطيته 159 بلدا - إلى "زيادة خطاب الكراهية في الولايات المتحدة وأوروبا ضد اللاجئين، قائلا إن ذلك قد ينعكس في مزيد من الهجمات على الناس بسبب عرقهم، أو نوعهم، أو جنسيتهم، أو دينهم.

وأشارت أمنستي بوجه خاص إلى القرار التنفيذي الذي أصدره ترامب ومنع فيه دخول اللاجئين والمهاجرين من سبع دول معظمها إسلامية الولايات المتحدة.

وتحدث التقرير عن الرئيس الفلبيني، رودريغو، والرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ورئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، باعتبارهم زعماء يستخدمون خطاب "الولايات المتحدة ضدنا". وقال أمين عام أمنستي إن "النظام العالمي الجديد الذي تصور فيه حقوق الإنسان باعتبارها حاجزا يحول دون تحقيق المصالح الوطنية، يجعل القدرة على مواجهة الأعمال الوحشية الجماعية أقل بدرجة خطيرة، ويدع الباب مفتوحا لارتكاب إساءات مماثلة لما حدث في عصور الظلمات في تاريخ الإنسانية".

وانتقدت مديرة أمنستي في بريطانيا، كيت ألن، قرار الحكومة البريطانية الأخير بوقف خطة كانت تسمح بدخول أطفال اللاجئين غير المصحوبين بأسرهم والموجودين بالفعل في أوروبا إلى بريطانيا، والذين يقدر عددهم بـ90,000 طفل. ووصفت القرار بأنه "مخجل".

وأشار التقرير كذلك إلى "36 دولة انتهكت القانون الدولي العام الماضي عندما أعادت بطريقة غير قانونية لاجئين إلى بلدان تتعرض فيه حقوقهم للانتهاك".

02 لكن الرئيس الامريكي الحالي ليس من أسس لخطاب الكراهية الراهن، بل أن الرئيس الاسبق جورج بوش الابن هو من قرر الحرب على الاخر في اعقاب هجمات سبتمبر على برجي التجارة الدولية في نيويورك عندما قال "من ليس معنا فهو ضدنا"، فاقدم على غزو العراق بناءا على ادعاءات كاذبة مفادها وجود اسلحة الدمار الشامل لدى النظام السابق، ووضعت ادارة البيت الابيض دستور المحاصصة الطائفية والعرقية الذي نرى نتائجه الكارثية على العراق كواحد من أكثر البلدان فسادا في العالم، فضلا عن التهديد الخطير لوحدة العراق وسلامة اراضيه وانبعاث تنظيم داعش على أرضه.                                  

في التعريف:

03 ليس هناك قانون محدد أو تعريف واحد للكراهية، لكن الفلاسفة وضعوا بعض التعريفات المرادفة لهذا المصطلح. ويرى رينيه ديكارت أن الكراهية "هي ادراك أن هناك شيء سيء في المجتمع مع الرغبة في الانسحاب منه"، بينما يراها ارسطو بأنها"الرغبة في إبادة الكائن المكروه"، فيما يعرف ديفيد هيومالكراهية بأنها " الشعور غير القابل للاختزال وغالبا ما يؤدي إلى تدمير الكاره والمكروه معا".

04 وتعرف الكاتبة زليخة بو ريشه خطاب الكراهية بأنه "كل كلام يثير مشاعر الكره نحو مكوّنٍ أو أكثر من مكوّنات المجتمع، وينادي ضمناً بإقصاء أفراده بالطرد أو الإفناء أو بتقليص الحقوق، ومعاملتهم كمواطنين من درجة أقل. كما يحوي هذا الخطاب، ضمناً أو علناً، شوفينية استعلائية لمكوّن أكثر عدداً أو أقدم تاريخاً في أرض البلد أو أغنى أو أي صفةٍ يرى أفرادُ هذا المكوّن أنها تخولهم للتميّز عن غيرهم".

وتعتبر الكاتبة د.حسناء عبدالعزيز القنيعير ما تتناقله الصحف والمواقع الالكترونية من مشاعر الكراهية "ليست سوى معمل من معاول الهدم لتفتيت الوحدة الوطنية، التي نحن الان اكثر من أي وقت مضى في حاجة الى تقويتها، والناي بها عن ذلك الخطاب الذي يزعم صانعوه أنه حق في حين انه باطل محض".

رأي القانون الدولي في خطاب الكراهية

05 حددت المعايير الدولية بشأن "خطاب الكراهية" من خلال التوازن في المادتين 19 و20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. والضمانات السابقة هي:

الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق الحرية في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها، والتماس الأفكار من جميع الأنواع، بصرف النظر عن الحدود...

تحدد المادة 19 القيود التي يمكن أن ترتبط بهذا الحق، بما في ذلك "احترام حقوق الآخرين أو احترام سمعتهم".

وتنص المادة 20 على ما يلي:

1.تحظر أية دعاية للحرب بموجب القانون.

2. تحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

وتطلب الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان من الدول أن تعلن أن الدعوة إلى الكراهية لأسباب وطنية أو عرقية أو دينية هي جريمة جنائية. ولا تطلب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب أن يحظر القانون خطاب الكراهية، لكنها تسمح أن يكون الأمر كذلك.

وتفرض اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، حظرا أوسع نطاقاً. فالمادة الرابعة من الاتفاقية تطلب من جميع الدول التي هي طرف في المعاهدة أن تعلن جريمة جنائية "كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، والتحريض على التمييز العنصري...وتوفير كل مساعدة للنشاطات العنصرية"، والمشاركة في "المنظمات، وتنظيم جميع الأنشطة الدعائية الأخرى، التي تشجع وتحرض على التمييز العنصري". 

06 لم يعد بث الكراهية يسجل ضد مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي، بل ان الاستمراء في تسقيط الآخر وتخوينه وإخراجهمن الملة وشيطنته، بلغ مستويات تنذر بخطورة كبيرة على المجتمع والدولة، فقد تشجع الذين يمارسون هذا الفعل ووضعوا اسمائهم في وسائلهم الالكترونية، وكأنهم يتفاخرون بعد ان وجدوا حجم التحريض وبث الكراهية في مقالات العديد من كتاب الصحافة دون رادع وكأن الأمور تسير بنسق منظم ومحضر له. وفي العديد من المواقع والمناطق شهدنا حملات التشهير في الناس والمؤسسات وحملات مقاطعة محلات بعينها والاعتداء عليها وسرقة محتوياتها، وقد سجل أغلبها ضد مجهول أو عدم الوصول الى نتائج.

07 مع تفاقم خطاب الكراهية وتحوله الى غول متوحش، بدات بعض المنظمات الدولية والعربية في اثارة الموضوع وعقدت مؤتمرات بهذا الخصوص، ومنها ندوة نظمها الاتحاد الاوروبي وتحالف الامم المتحدة للحضارات في بروكس العاصمة البلجيكية في 26 يناير 2017،  حول انتشار خطاب الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين في وسائل الاعلام. الممثل السامي لتحالف الحضارات ناصر عبدالعزيز النصر قال "يتم تصوير المهاجرين واللاجئين بشكل غير دقيق وبأنهم يشكلون تهديدا أمنيا محتملا وضغطا على المنافع العامة. وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء بالأمم المتحدة تعترف بالمساهمة الإيجابية للمهاجرين في النمو الشامل والتنمية المستدامة وذلك عبر اعتمادها جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة عام 2015، وإعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين عام 2016، غير أنه لا يتم الاعتراف بمساهماتهم الإيجابية في المجتمعات، ونادرا ما تتفهمهم المجتمعات المضيفة."كما عقد معهد الاعلام الأردني بالتعاون مع معهد الصحافة النرويجي "مؤتمر خطاب الكراهية في الإعلام الرقمي والاجتماعي" على مدار يومي 26 و 27 نيسان 2016، وبمشاركة نحو (200) من الأكاديميين والإعلاميين والخبراء والناشطين والمهتمين، تم مناقشة 24 ورقة غطت معظم محاور المؤتمر وهي: خطاب الكراهية ووسائل الإعلام العربية في ما بعد مرحلة الثورات والتحولات العربية، ملامح وموضوعات الكراهية في الإعلام الرقمي والاجتماعي في العالم العربي، المحتوى الذي ينتجه الجمهور العربي وخطاب الكراهية (العوامل السياسية والثقافية والاقتصادية)، دور التربية الإعلامية الرقمية في الحد من خطاب الكراهية، الكراهية الجديدة: حالات دراسية من العالم العربي، الأخلاقيات والقواعد المهنية في مواجهة خطاب الكراهية: العودة إلى الأصول والأُطر التشريعية والتنظيمية للحد من خطاب الكراهية.

وانتهى المؤتمر بخلاصات أهمها أن خطاب الكراهية يعد مستوى من مستويات التعصب، وهو ظاهرة اجتماعية سياسية واتصالية  معقدة ومركبة، ولقد شهدت المجتمعات العربية نمو هذه الظاهرة وبأشكال صادمة بالتزامن مع التحولات السياسية العربية وما رافقها من انتشار واسع لوسائل الإعلام، وخلال أخر خمس سنوات تضاعف المحتوى العربي على شبكة الانترنت نحو 7 أضعاف وأزداد حضور المجتمعات العربية بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي، وتصاعدت قدرة الناشطين العرب على التدوين، وقد تم نقل تلك العلل إلى هذا الفضاء الكبير والمتشابك، ومنها العودة للهويات الفرعية والمرجعيات الاولية، كما أن الموجه الأخيرة من خطاب الكراهية جاءت في وقت لم يحسم الإعلام في العالم العربي  القيم الأساسية في المهنية والاستقلالية والحرية، ما خلق منطقة رمادية بين أفعال السياسيين من جهة والعمل الإعلامي من جهة أخرى، ومنطقة رمادية أخرى بين أفعال الناشطين على شبكات الإعلام الاجتماعي وبين الإعلاميين والصحافيين المحترفين.

وخرج المؤتمر بتوصيات تتصل ب:

-الحاجة الماسة إلى إدخال "التربية الإعلامية" إلى النظم التعليمية في العالم العربي، وهي التربية التي يتعلم من خلالها الأفراد التعامل مع وسائل الإعلام، ويتعلم من خلالها الأفراد فهم الإعلام وآليات الإخبار، كما يتعلم من خلالها الأفراد تقييم الإعلام ونقده وطرح الأسئلة حول الأخبار ومصادرها، كذلك المشاركة في إنتاج المحتوى والتفاعل معه.

-نشر ثقافة التحقق من الأخبار وسط الجمهور والتعريف بأدوات نقد المحتوى الإعلامي وتمكين  الجمهور منها.

-الحاجة الماسة إلى مبادرة أخلاقية عالمية جامعة تتصدى لمسألة تغطية الموضوعات الدينية  تجيب على أسئلة مركزية حول حدود الحرية وحدود احترام الأديان من أجل توفير تغطية أكثر نزاهة وأنصاف ومهنية للقضايا والصراعات ذات المضامين الدينية.

-ضرورة الارتقاء بالثقافية الإعلامية بدءاً من تغيير الثقافة السائدة في غرف الأخبار وصولا إلى  إنتاج ثقافة جماهيرية متوازنة بعيداً عن الإسفاف أو التطرف والإكراه ثقافة تحترم التعددية والتنوع وتغرس قيم التسامح وتخلق مقاومة ذاتية ومناعة مجتمعية ضد خطاب الكراهية.

08 وعلى هامش معرض الكتاب في العاصمة السعودية الرياض، عقدت ندوة يوم 11 مارس الجاري حول "خطاب الكراهية في شبكات التواصل لاالاجتماعي"، عزا الدكتور سعيد السريحي جذور خطاب الكراهية في مواقع التواصل الاجتماعي  الى "الوسط الاجتماعي"، مؤكدا ان خطاب الكراهية "متجذر في المجتمع، ينخر فيه منذ عقود (..) وان وسائل التواصل الاجتماعي حاملة للكراهية وليست منتجة".

مبادرات القوى المعارضة للجم التحريض على الكراهية

09 في يناير 2014، وحيث شعرت القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة بخطورة عملية التحريض التي تنضح بها اغلب الصحافة المحلية، بادرت واصدرت "وثيقة لا للكراهية/مشروع التسامح ومناهضة التحريض على الكراهية. وقد نصت على:

#" إن مملكة البحرين ممثلة في أطرافها الرسمية والقوى المجتمعية، هي أطراف في هذا البرنامج،

وإذ تقرر المادة (20/2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي صادقت عليه مملكة البحرين بالقانون رقم 56 لسنة 2006، والتي تنص على أنه : “تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف”.

وإذ يقرر الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد  بأن التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد يعني “أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو انتقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة”.

وإذ يقرر إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر 2000، أنه  ”يجب على البشر احترام بعضهم البعض بكل ما تتسم به معتقداتهم وثقافاتهم ولغاتهم من تنوع، وينبغي إلا يخشى مما قد يوجد داخل المجتمعات أو فيما بينها من اختلافات، كما لا ينبغي قمعها، بل ينبغي الاعتزاز بها باعتبارها رصيداً ثميناً للبشرية، وينبغي العمل على تنمية ثقافة السلام والحوار بين جميع الحضارات”.

وإذ أن كافة حقوق الإنسان هي حقوق عالمية، وغير قابلة للتجزئة ومتكاملة ومترابطة، وأن أكثر ما يتجلى هذا التكامل والترابط بوضوح هو عند بحث حرية التعبير في سياق حقوق الإنسان الأخرى، حيث أن إعمال حق الحرية في التعبير يتيح المجال لقيام نقاشات حية متعددة الوجوه تعكس الاهتمامات العامة، وتعبر عن مختلف الأراء ووجهات النظر، بما لا شك معه أن احترام حرية التعبير هو عامل حاسم لضمان الديمقراطية والتنمية البشرية المستدامة، وكذلك لتعزيز السلام والأمن.

وإذ يؤكد المجتمع الدولي على ضمان إحكام تعريف التحريض على الكراهية، وعدم التوسع فيه، كي لا تزداد احتمالات فتح باب التطبيق التعسفي، وضمان عدم إساءة استعمال التشريعات بالاجتهادات القضائية والسياسات الوطنية الغامضة. 

وإذ انتهى الأزهر الشريف في وثيقة الأزهر 2011 في البند رابعاً إلى أهمية الالتزام بلاحترام التامُّ لآداب الاختلاف وأخلاقيَّات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدِّين واستخدامه لبَعْثِ الفُرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحثِّ على الفتنة الطائفيَّة والدعوات العنصريَّة جريمةً في حقِّ الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المُتبادَل، والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أيَّة تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.

وإذ انتهت آراء الخبراء الدوليين المختصين إلى ضرورة وجود معيار ثابت وواضح يتم الاحتكام إليه في التحريض على الكراهية، يتمثل في المادة (20) السابقة الإشارة إليها، وإلى أن التعددية والتنوع هما سمتان مميزتان لحرية التعبير، وأن تحقيق حرية التعبير يسمح بوجود نقاش حي، متعدد الأوجه لأمور تهم المصلحة العامة، مما يؤدي إلى تبيان مختلف وجهات النظر، وأن عدم المساواة تنشأ عند إقصاء بعض الأصوات وتقويضها، وأن حق كل فرد في أن يسمع ويتكلم ويشارك في الحياة السياسية والفنية والاجتماعية هو جزء لا يتجزأ من تحقيق المساواة، والتمتع بها، حيث أنه عندما تحرم الشعوب من المشاركة في الحياة العامة والتعبير تصبح قضاياهم وخبراتهم واهتماماتهم غير ملموسة، ويصبحون أكثر عرضة للتعصب الأعمي والتحيز والتهميش.

 

وإذ تمثل “مبادئ كامدن 2008″ المشهورة تفسيراً تقدمياً للقانون والمعايير الدولية ولممارسات الدولة المقبولة، والمبادئ العامة للقانون المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، والتي يجب أن تنعكس في القوانين المحلية وأحكام المحاكم الوطنية.

وإذ تعبر خطة عمل الرباط 2012 بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف عن إرادة المجتمع الدولي في هذه القضية،

وحيث أشار تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق إلى قضية التحريض على الكراهية واستعمال القانون، وعلى الأخص ما ورد في الفقرات 1279، 1280، 1281، 1284، وفي الفصل العاشر منه.

وإذ يقر الأطراف أن تحقيق الاستقرار، وبناء الثقة بين الدولة وطوائف من المجتمع، والتخلص من الاستقطاب والتعصب، يتطلب حسم ادعاءات التحريض على الكراهية من خلال الآليات الموثوقة،

وإذ يلاحظ الأطراف بواقع تُتخذ فيه الإجراءات الجنائية من قبل النيابة العامة في مدد زمنية مختلفة بين بعض البلاغات في التحريض على الكراهية، عنها في بلاغات أخرى تقدمت بها بعض القوى والأطراف المحسوبة على المعارضة، بشكل تراه الجمعيات السياسية المعارضة مثير للقلق، وتصل فعلاً إلى عتبة المادة (20) المشار إليها، والتي لا تلاحق قانونياً ولا يعاقب مرتكبوها، وفي الوقت ذاته، فإن أفراداً يضطهدون فعلياً، مع ما لذلك من تأثيرات صاعقة على سائر الأفراد، وذلك بإساءة استخدام التشريعات والاجتهادات القضائية والسياسات المحلية الغامضة.

و إذ يقر الأطراف بحاجة البحرين إلى جهود وطنية تكاملية جادة من جميع الأطراف المجتمعية والرسمية لمناهضة التحريض على الكراهية في برنامج إطاري تقدمي يضع الأطر والمحددات والمعايير التي تكفل مناهضة متوافقة مع المعايير الدولية، وضمانات التطبيق الموثوق،،،

#فإنه وعلى هذا الأساس تقر الأطراف ما يلي:

أولاً: يعتبر التحريض على الكراهية آفة تفتت المجتمع البحريني، وتقوض السلم الأهلي، ويشجع على التعصب والتشدد والاستقطاب الطائفي.

ثانياً: تحقيق التسامح، وتعزيز الاعتدال، وتكريس القبول بالآخر، والتعددية، ينبع من إصرار الأطراف مجتمعة على إيجاد الأرضية المناسبة لتحقيق الغايات التالية:

‌أ. أن البحرين وطن يتسع لجميع البحرينيين، وهو المظلة الجامعة لكل البحرينيين بمختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية والعقائدية والفكرية، وعلى الدولة بمختلف مؤسساتها وأجهزتها ومسئوليها وموظفيها العمل لصالح جميع البحرينيين بمختلف انتماءاتهم.

‌ب. أن مكونات المجتمع البحريني الايدلوجية والفكرية والسياسية والدينية (مسلمين من الطائفتين الشيعة والسنة، ومن اليهود والمسيح)، ينبغي ان تتمتع كل منها، بالمساواة، الحق في الخصوصية المذهبية التي تنال بموجبها احترام الدولة، والفئات الأخرى، وأن لها أن تحافظ على معتقداتها وموروثها  الثقافي والتاريخي، بما لا يخل باحترام موروث الفئات الأخرى.

‌ج. العمل على نزع فتيل أي خلاف أو شقاق في المجتمع البحريني على أساس ديني أو عرقي أو قومي، وتعزيز التقارب والانسجام والانفتاح والحوار بين أبناء المجتمع.

‌د. القبول بالعيش المشترك لكل مكونات المجتمع بفئاته وطوائفه، تحت مظلة الوطن دون إقصاء أو تهميش أو إلغاء للآخر، أو تأثير على ديمغرافيا البلاد أو هويتها وتراثها.

‌ه. تبني المشاريع السياسية الوطنية الجامعة، ورفض المشاريع ذات الصبغة الطائفية، أو التي تحدد الخيارات بناء على دوافع طائفية.

‌و. الالتزام بالمبادئ المهنية والأخلاقية في العمل السياسي بإبعاد الطوائف واتباعها من ان يكونوا عرضة للتشويه والازدراء أو الانتقام أو ردات الفعل التي يتأثر بها المواطنون على أساس انتمائهم الطائفي أو العرقي أو العنصري.

‌ز. تعتبر حرية الرأي والتعبير والنقد المشروع حرية لا ترد عليها من القيود إلا ما يلزم في مجتمع ديمقراطي وفقاً للمعايير الدولية، ويعتبر التحريض على الكراهية خروجاً على حرية التعبير هذه ، وقيداً عليه.

 

ثالثاً: اعتماد المبادئ المشار اليها في هذه الوثيقة من المبادئ المقررة في وثيقة كامدن 2008، وخطة الرباط 2012 واعتبار ما تضمنته من المبادئ المبينة في الملحق حاكمة لتحديد التحريض على الكراهية، والموجه لصوغ برامج مناهضته.

رابعاً: تحقيقاً لآليات المصالحة الوطنية، ورفعاً للقلق الذي أشارت إليه خطة الرباط، واستهداء بما ورد في هذه الخطة في الفقرة (39)، تنشأ لجنة خاصة تستقبل ادعاءات وشكاوى التحريض على الكراهية، بالإستفادة في تشكيلها من خبراء دوليين مختصين ترشحهم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، تتولى بحث الادعاءات التي تستقبلها في هذا الشأن، وتبت فيها بموجب المعايير الدولية، وتتولى حصرياً إحالة ما يشكل تحريضاً على الكراهية من هذه الادعاءات والشكاوى إلى القضاء المدني أو الجنائي، بحسب الأحوال.

خامساً: تعمل الأطراف مجتمعة على وضع البرامج التفصيلية لتنفيذ هذا البرنامج الإطاري، وذلك من خلال لجنة تشكل من الأطراف، ومن الشخصيات الوطنية الذين يتفق عليهم الأطراف بالتوافق، على أن تكون نسبة ممثلي الجمعيات السياسية المعارضة والشخصيات الوطنية التي تسميها المعارضة معاً 50% من أعضاء هذه اللجنة، وتصدر قرارات اللجنة بالأغلبية".

10 ورد في كتاب مذكرات نيلسون مانديلا "حواري مع نفسي"، رسالة مسربة لمحاميه يطلب مقاضاة سجانيه ملخصها: " هناك اساءة في استخدام السلطة. رئيس السجن يعامل بعنصرية زملائي المساجين من جماعات عرقية مختلفة داخل الزنزانة الواحدة التي أمكث فيها، وذلك لإثارةمشاعر العداوة بيننا". وفي أوج نضاله ضد العنصرية ومن اجل الحقوق المدنية، يقول القس الامريكي بطل الحقوق المدنية مارتن لوثر كنغ "علينا جميعا أن نتعلم أن نعيش كأخوة، أو سنموت جميعا كحمقى"هذا القول يحاكي في المفهوم العام ما جاء في النصوص على لسان الامام علي "الناس صنوان أخ لك في الدين أو نظير لك في الإنسانية".

11 خلاصة القول أن تجربة المجتمعات والدول التي غرقت في التحريض على كراهية الاخر وشيطنته لن تقود إلا الى المزيد من الدمار والكارثة الكبرى التي تسببها القوى التي لا تنصت لصوت العقل ولا ترى في الاخر الا خصما يجب ابادته وسحقه، لكن النتيجة وبال على الدولة والمجتمع بكل فئاته. كما ان حرية التعددية السياسية والثقافية والمذهبية هي أساس أي مجتمع يرنو الى الاستقرار والتطور. وأن استمرار التحريض على الكراهية يؤسس للعنف والعنف المضاد وتدمير المجتمع. هذا ما تعلمنا اياه تجارب ايرلندا الشمالية حين تحول الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت الى حرب دموية لم تتعافى البلاد منها بعد، حيث عملت الامبراطورية البريطانية إلى تغليب طائفة على أخرى للسيطرة على الجزيرة. وكذلك في  ورواندا حين اشتعلت الحرب بين الهوتو والتوتسي بين 1990 و1993، وخلفت مئات الاف القتلى والجرحى والمشردين، وهو ما يحصل اليوم في العراق وسوريا وليبيا والسودان.

فهل يعي مثيروا الفتن ومشعلي الكراهية بين مكونات المجتمع نتائج ما يقومون به من افعال شنيعة؟! 

12 وسط هذه الظروف تقدم جمعية وعد نموذجا مصغرا للمجتمع البحريني بمكوناته الاجتماعية الذي ينبذ خطاب الكراهية والتمييز والتفرقة ويناضل من أجل المطالب المشروعة لشعبنا في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية وتشييد الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والسير على خطى الديمقراطيات العريقة كما بشر بها ميثاق العمل الوطني الذي اجمعنا عليه. كما تعمل وعد على اشاعة التسامح بدلا من خطاب الكراهية، واعتبار المعارضة السياسية جزءا من النظام السياسي العام وعنصر قوة للدولة.

 

**

 

11

 

 
جميع الحقوق محفوظه © 2012
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)
 

Developed by:
Bab-alBharain.com